-وعَن أَنَسِ بنِ مالكِ، رَضِيَ اللّهُ عتهُ، قالَ: قالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يومَ بَدر:"مَن يَتظُرُ ما فَعَلَ أبو جَهلِ؟"فاتطَلَقَ ابنُ مَسعودٍ فوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابنا عَفْراءَ حتى بَرَدَ، فأَخَذَ بِلحيتِهِ، فقالَ: أَنتَ! أبا جَهلِ، قالَ: وهَل فَوقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَومُه أو قالَ قَتَلتُمُوهُ؟ (حديث صحيح) . فهذا عَدُو اللّهِ أبو جَهل كانَت لَهُ لحية.
وفي حَديثِ أُم سَلَمَةَ في قِصَةِ الهِجرَةِ إلى الحَبَشَةِ حينَ قرا جعفرُ بنُ أبي طالِبِ صَدرا مِن سُورةِ مريم على النجاشِيِّ، قالَتْ: فبَكى وَاللهِ النجاشِي حتَى أَخْضَلَ لحيتَهُ. فهذا النجاشِي مَلِكُ الحَبَشَةِ كانَ نصرانِيا، وكانَت لَهُ لِحْيَةٌ.
وعَنْ جابِرِ بنِ عبد الله، قالَ: أُتِيَ بأَبي قُحافَةَ يومَ فَتْحِ مكَّةَ ورَأْسُهُ ولحيتُهُ كالثغامَةِ بَياضا، فقالَ رَسُولُ اللّهَ - صلى الله عليه وسلم - ِ:"غَيروا هذا بِشَيءٍ واجْتَنِبُوا السو ادَ".فهذا أبو قُحافَةَ والِدُ أبي بكْرٍ الصًدًيقِ أُتِيَ بهِ ليُسْلِمَ يومَ الفَتْحِ وهوَ على تلكَ الصًفَةِ، فكانَ ذا لحية في الجاهليةِ والإسْلامِ.
وهذه أمثلة تَحكِي واقِعَ الناسِ يومَئذٍ، كانَت اللحيةُ عنْدَ الرجالِ عادةً جارية وحالَا مُتبَعا، عتدَ مُسلِمِهم وكافِرِهم، سِوى ما سيأتي ذكرُهُ عَنِ المجوسِ فإنَّهم رُبما كانُوا يَحْلِقونَها عادةَ لَهم.
فهذا المقدارُ مِما يتصلُ باللحية لا يَدل على اعْتبارها منْ شعائر الدِّينِ.
فإنْ قيلَ: نَعَمْ كانَت كذلكَ، لكن جاءَت شَريعَة الاسلام بنقْل تلْكَ العادَةِ إلى شَعيرةٍ بأمرِ رَسُولِ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - بِها.