امتثالًا لقول نبيه صلى الله عليه وسلم، فترسى بهذه الضوابط دعائم الوحدة بين أبناء المجتمع، وترسخ فكرة التسامح والعفو التي تسمو بالنفس البشرية إلى أعلى مدارج السمو والرقي. إضافة إلى سدها منافذ الشيطان وإغلاقها مقاصده.
8 -السكوت وضبط اللسان عن الكلام أثناء الغضب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «علِّموا ويسِّروا ولا تعسّروا وإذا غضب أحدكم فليسكت» قالها ثلاثًا [1] . لأن إطلاق اللسان أثناء الغضب قد يجعل الإنسان يتلفظ بكلمات سيئة وبذيئة، تكون لها آثارٌ ضارة عليه وعلى الآخرين، ومعلوم أثر الكلام في النفس، والإنسان يمكن أن ينسى سلوكًا معينًا نحوه، أو تصرفًا مؤذيًا له، لكنه هيهات أن ينسى كلامًا جارحًا أو ثقيلًا على النفس قيل له، وغالبًا لا يتلفظ الإنسان الغاضب إلا بالكلمات التي تجرح مشاعر الآخرين، وقد يكون مخلًا بالآداب العامة، وقد حثنا الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام على الالتزام بالصمت والسكوت في جميع الحالات، إلا إذا كان الكلام خيرًا فقد سمح به، يقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» [2] .
وقال الشاعر:
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان
9 -الإحسان إلى المسيء وهو أعلى درجات الإحسان، وهو امتثال حقيقي لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثّرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء» [3] .
ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «اتق الله حيثما ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» [4] .
ولنقلب صفحات التاريخ، ونروي ذلك الموقف الذي عجز اليراع من وصفه، وأدهش الأعداء
(1) مسند أحمد، رقم 2136، ص 207.
(2) صحيح مسلم، رقم 174، ص41.
(3) متفق عليه، واللفظ للبخاري في صحيحه، رقم 3149، ص523 - 524.
(4) جامع الترمذي، رقم 1987، ص460.