الحمد لله الحليم التواب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خير من صلى وصام وتاب وأناب، وعلى الآل والأصحاب، والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم المآب، أما بعد:
فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ثم جعل فيه نفسًا، وأودع في هذه النفس غرائز كثيرة، وجعل لهذه الغرائز وظائف ومهمات، لبقاء الإنسان وتمكنه من القيام بما يجب القيام به من الأعمال، وحكمة الله تعالى في هذه الغرائز أنه جعل لها قابلية الخير وقابلية الشر، يقول جل ذكره: (( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) ) [1] .
ثم إنه تعالى ذكره أرسل للناس بعد ذلك رسلًا يحملون إليهم رسالات، تدعوهم إلى توحيد الله واتباع منهجه الذي يتلاءم مع رغباتهم وتطلعاتهم، وتحكم الغرائز التي أودعها في نفوسهم وترسم لها حدودًا لا يتجاوزها، فكل غريزة لها حاجة معينة لأداء وظيفة محددة، فلا تسرف في حاجتها ولا تخرج عن أداء وظيفتها، فإذا تجاوزت حدودها انقلبت إلى آفة خطيرة على الإنسان نفسه وعلى المجتمع من حوله.
ومجموع هذه الغرائز الكامنة في الإنسان يشكل ما يسمى بالأخلاق الموصوف بها الإنسان، فالحب والكراهية والجوع والعطش والجنس والغضب والفرح والحزن والألم وغيرها، كلها تعبر عن أخلاق الإنسان من خلال ممارسته لها بالخير أو بالشر، فغريزة الجنس - مثلًا - لها وظيفة عظيمة في خلق الإنسان وإيجاد النسل في الحياة أولًا، ثم الاستمتاع المشروع ثانيًا، أما إذا استعملت هذه الغريزة خارج الإطار المرسوم لها فإن حياة الناس ستصبح شبيهة بحياة الأنعام والبهائم، حيث لا أسر، ولا آباء ولا أبناء، وبالتالي لا تكافل ولا ترابط، وهذا ما نجده في معظم المجتمعات الإباحية، التي لا يعرف فيها الأب ابنه ولا الأم ولدها، ولا الابن أبويه. وكذا سائر الغرائز الجبلية الأخرى، فإن أسرف الإنسان في استخدامها تحولت إلى بلاء عام.
والغضب - الذي هو موضوع بحثنا - غريزة من هذه الغرائز وله وظيفة كبيرة في الدفاع عن حرمات الله وحقوق المسلمين وديارهم، يقول الله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
(1) سورة الشمس، الآيات: 7 - 10.