الصفحة 11 من 35

أما إذا خرج به الغضبان عن الحد الطبيعي وتجاوز الحدود الشرعية كأن يتعدى في أحكامه، أو أقواله، أو تصرفاته، أو لا يدري ماذا يقول، أو لا يضبط ألفاظه، أو يزيد في الكلام عن الأمر المراد، أو يضرب ... كل هذه وأمثالها نقلت هذا الغضب من كونه محمودًا إلى أن أصبح مذمومًا.

وهو ما كان انتقامًا للنفس، وهذا الغضب تترتب عليه نتائج خطيرة على الإنسان ذاته وعلى مجتمعه، وهو الذي حذرنا منه الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، ومناسبات عدة، كما في حديثنا الذي جعلناه منطلق الحديث.

وهذا - أعني الغضب المذموم - هو الذي نبسط الكلام عليه في الأسطر القادمة.

والغضب كما سبق حالة نفسية وغريزة بشرية كسائر الغرائز التي أودعها الله في الإنسان، ولكن تأثيره على النفس البشرية يختلف من إنسان لآخر، وكذلك السلوك الذي يسلكه الإنسان عند الغضب يتباين من إنسان لآخر، وصدق الله تعالى إذ قال: (( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ) ) (( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) ) [1] ، فالنفس العامرة بتقوى الله تعالى وطاعته، والعارفة حدود الله، وما أعده الله للذين لا يتبعون طريق الشيطان ولا يخضعون للوسواس الخناس، هي النفس لا يؤثر فيها الغضب ذلك التأثير الجامح الذي يجعلها تتصرف بغير حكمة وعقل. وأما النفس التي خلت من الإيمان أو ضعف فيها وتمكن منها الشيطان فهي المناخ المناسب لأن يتفرخ فيها الشيطان ويوسوس لها ما يشاء ليضلها ضلالًا بعيدًا، وللغضب في هذه النفس مجال كبير ودور فاعل وعظيم، لأن لها قابلية لاستقبال أي انفعال أو مرض نفسي فتراها إذا غضبت، خرجت من طورها الطبيعي ويصبح الإنسان حينها كالمجنون تتغير ملامحه، ويلفظ بأسوأ الكلمات، ويتحول إلى ثورة من النار، لا تميزه من المجنون في هذه الحالة، وهذا ما دعا كثيرًا من علماء النفس أن يقولوا «بأن الغضب صنف من الجنون القصير المدى وإن الأعمال تجري في أثنائه بعد أن يتوقف العقل فما يعمل» [2] .

ومهما يكن فإن الغضب لا يأتي من الفراغ، وأي انفعال يعتري الإنسان يكون له دوافع وأسباب، وهذه الأسباب لا يمكن عدها وحصرها، فهي كثيرة جدًا، حسب المواقف والحالات التي يمر بها الإنسان، فحصرها محال، ولكن يمكن أن نذكر بعضًا منها، والتي انتشرت في هذا العصر بشكل كبير، فهي تمس واقعنا وحياتنا واليومية.

(1) سورة الشمس، الآيتان 7، 8.

(2) قوة الصوم في مواجهة الغضب، د. فوزي عبدالقادر الفيشاوي، الفيصل، ع 255، ص 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت