وما أدراك ما الفقر، وهو الهمّ الملاصق للإنسان الفقير في كل أحواله، فلا يفارقه ليلًا ونهارًا، ولا يجعله يذوق للحياة مذاقًا، وكيف يستمتع بالحياة وليس لديه شيء، ولا يملك مقومات هذا المتاع، فهو يرى الناس من حوله يفرحون ويمرحون، وينالون كل ما يشتهون، وأما هو فعلى العكس من ذلك لا يستطيع تأمين أقل ما تحتاج إليه أسرته وأولاده، مسكنًا كان أو ملبسًا أو مأكلًا، وغير ذلك. وهذا كاف لأن يصيب هذا الإنسان بنوع من الانفعال الداخلي، ويسيطر عليه الهمّ والتفكير الدائم بحاله وحال أولاده، لا سيما إذا كانت أسرته لا تقدّر حاله، فتطالبه زوجته بما ترى على زوجات الآخرين من زينة وسكن وسيارة، والأطفال يلحون عليه أن يكون لهم ما لأصدقائهم وأولاد جيرانهم وأقاربهم من كذا وكذا، وهو واقف أمامهم لا يستطيع أن يحرّك ساكنًا، ويده لا تصل إلى ما يحقق لهم آمالهم وطلباتهم، ودوام هذه الحال على هذا الإنسان وحتى على الأسرة، سيولد انفجارًا عصبيًا داخل البيت لا يسلم منه أحد من الأسرة، ونتيجة هذا الانفعال وأثره سيكون إما العقد النفسية والأمراض العصبية التي ستلازمهم مدى الحياة، أو سيكون الانحراف والسرقة والنهب، والحصول على الأموال بأي شكل وبأية وسيلة.
ومن الأسباب التي تولّد الغضب لدى الإنسان وتجعله يفكر في الانتقام بأشد ما أوتي من قوة هو تعرضه لظلم الآخرين، والظلم أشكال كظلم الحاكم للمحكوم، وظلم المدير لموظفه في الإدارة، وظلم المعلم للطالب في المدرسة، وظلم الأب للابن في البيت، وظلم الصديق لصديقه والتاجر لعماله، وظلم الناس بعضهم لبعض وغيرها، فالإنسان المظلوم لا ينسى مظلمته ما دام على قيد الحياة، ولا ينسى من ظلمه مهما مرّ الزمان، وكيف ينسى وقد أهان هذا الظالم كرامته وكبرياءه، وأكل حقه وسلبه؟! فيلجأ المظلوم في هذه الحالة بكل الوسائل التي يراها تصله للانتقام من الظالم والحصول على حقه مهما كلفه ذلك من تعب ومشقة، لأنه في حالة غضب لا يفكر في النتائج المترتبة على سلوكه وانتقامه من ظالمه، والشواهد والحوادث اليومية كثيرة على الانتقامات اللامحدودة لبعض المظلومين من ظالميهم، فقد حدث أن جنديًا كان ينال من قائده الكلام البذيء والمعاملة السيئة، ولا يمنحه الإجازة الاعتيادية التي تحق له، وتكررت هذه الحالة كثيرًا، مما دفع ذلك هذا الجندي أن يذهب إلى قائده في مكتبه، ويرشه بعدة طلقات فيقتله، ثم قتل نفسه، والشواهد كثيرة جدًا، وكلها عائدة إلى الظلم، الذي كان سببًا في هلاك الأمم ودمارها.