والأصدقاء، صورة من الإحسان النبوي بقيت ماثلة أمام أنظار العظماء والرؤوساء، وهو موقفه عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة من المشركين الذين آذوه واضطهدوه وأخرجوه وأصحابه من ديارهم، وحاولوا قتله والتنكيل به، واتهموه بالجنون تارة وبالسحر تارة أخرى، وها هو اليوم يدخل مكة مع أصحابه فاتحين، وانقادت إليه الجموع متذللين صاغرين، الذين كانوا بالأمس من ألد أعدائه، فلا يرى هؤلاء المشركين وصناديدهم من هذا القائد الفاتح غير العفو والرحمة، فضرب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أعظم مثل في التسامح والإحسان لمن أساء إليه، فقال عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الأعداء: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» [1] .
وما أحوج الناس في هذا العصر إلى مثل هذا الموقف الرحيم لا سيما من الحكام والملوك والوزراء والعلماء وغيرهم ممن بأيديهم مصائر الناس، فإن مثل هذه المواقف تجلب الخير والنصر للبلاد والعباد، وترجعهم إلى دين الله رجعة حقيقية، وتدفعهم ليكونوا مواطنين صالحين مخلصين.
10 -الحلم والتحلي بكل مكارم الأخلاق عند الغضب، وعدم الحكم على شيء إلا بعد التحقق منه، درءًا للمفاسد التي قد تترتب على الاندفاع والانتقام، والحلم من صفات المؤمنين، وهو سبب لعلاج كثير من المشكلات النفسية ومنها الغضب، وهو دواء ناجع أينما حل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» [2] .
لذا كان التوجيه النبوي واضحًا للقاضي أن لا يحكم وهو غضبان خشية عدم تحققه من القضية، وإلحاق الضرر بأحد المتخاصمين، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقضين أحدكم بين اثنين وهو غضبان» [3] .
فقد جاء زيد بن سعنة قبل إسلامه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطالبه بدين له عليه بغلظة وجفاء، والنبي عليه الصلاة والسلام يعامله بحلم وسعة صدر، وكان عنده عمر رضي الله عنه، فقام إلى زيد ينهره عن ذلك، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا يا عمر، تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي» . وأمر بأداء الدين إليه، وأن يزاد على حقه مقابل الذعر الذي أصابه من قبل عمر رضي الله عنه، فكان ذلك سبب إسلامه رضي الله عنه ونجاته من
(1) السيرة النبوية لابن هشام، 4/ 54 - 55.
(2) صحيح مسلم، رقم 6602، ص1133.
(3) متفق عليه، واللفظ للبخاري في صحيحه، رقم 7158، ص1231 - 1232.