في غزوة الحديبية جاء المسلمون وهم في شوق ولهف لبيت الله فصدهم المشركون وصالحهم صلى الله عليه وسلم على ذلك، فوقع في نفوس أصحابه ما وقع فجاء عمر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا:ألست نبي الله حقًا؟ قال:بلى، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال:بلى، قال: فلم نعطى الدنية في ديننا إذًا؟ قال:إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قال:أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال:بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال:قلت:لا، قال:فإنك آتيه ومُطوِّف به، فأتى عمر رضي الله عنه أبا بكر فقال له نحوًا من ذلك، فأجابه بمثل ما أجابه به صلى الله عليه وسلم [1] .
ترى ما الدافع لعمر رضي الله عنه أن يراجع النبي صلى الله عليه وسلم ويناقشه، أليس الرغبة في نصرة الدين والطواف بالبيت وعبادة الله؟
لكنه رضي الله عنه ما يلبث أن يستفيق ويعدَّ هذه المراجعة ذنبًا فيجتهد في الأعمال الصالحة علها أن تكفر عنه. يقول ر:فعملت لذلك أعمالًا. وفي رواية ابن اسحاق:"وكان عمر يقول مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ".
قال الحافظ ابن حجر:"وإنما عمل الأعمال المذكورة لهذه وإلا فجميع ما صدر منه كان معذورًا فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه" [2] .
فإذا كانت هذه سيرة القوم فيما اجتهدوا فيه فكيف بمن يأتي المعصية عيانًا؟
ويصور عبد الله بن عمرو بن العاص ر نفس المؤمن حين يواقع الخطأ هذا التصوير فيقول:"لنفس المؤمن أشد ارتكاضًا من الخطيئة من العصفور حين يقذف به" [3] .
ولعلك أن تشاركني الفهم أن هناك فرقًا بين ما يراه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما خطيئة وبين ما نراه نحن كذلك.
(1) رواه البخاري (2732) ومسلم (1785) من وجه آخر بنحوه.
(2) فتح الباري (11/347) .
(3) رواه ابن المبارك في الزهد (72) .