الصفحة 22 من 47

قال ابن حجر رحمه الله:"وفيه فضل التحول من الأرض التي يصيب فيها الإنسان المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكره لأفعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضه عليه، ولهذا قال له الأخير: ولاترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلها، والانشغال بغيرها" [1] .

ولست أخي بحاجة حين تتوب من معصيتك إلى أن تفارق بلدك -وإلا ستبقى رحالة ضاعنًا لا تقيم- ولكن الحازم الحصيف حين يشعر أن معصية من المعاصي تراوده الفينة بعد الفينة يفكر في نفسه مليًا، ويتأمل ما الأسباب والعوامل التي توقعني في هذه المعصية.

إن كانت صحبة فلان من الناس واللقاء معه فلأفارقه قدر ما أستطيع. وإن كانت الخلوة والوحدة فلأجتنبها وأقلل منها ما أمكنني ذلك. وإن كانت الخروج للسوق، أو رؤية مشهد في التلفاز، أو قراءة في مجلة. فرغبتي في ترك المعصية ينبغي أن تولد عندي ترك ذلك أولًا.

وإن كان تفكيري في المعصية هو الشرارة التي تشعل فيَّ نارها، فلأجتنب هذا التفكير وأشتغل بما هو أولى منه.

أخي الكريم: النفس فيها دواع للمعصية، ونوازع للشهوة، وتمر بها أوقات غفلة وضعف وفترة. فما لم تأخذها بالحزم وتبعدها عن مواطن المعصية أوشكت أن تغلبك.

أرأيت لو أن رجلا يمسك بزمام دابة وهى ترى المرعى أمامها ألا تنازعه إليه وربما غلبته على نفسه، وأنه لو نأى بها كان أسلم له.

(1) فتح الباري (6/ 517518) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت