الفصل الثانى
نظام الـ (BOT) وعلاقته بالوقف الاسلامى وتخريجه الشرعي
ان نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT لم يكن غائبًا كفكر في الإسلام، حتى عند الفقهاء القدامى، الذين كانوا يدرسون مسائل لم تقع بعد، استشرافًا للمستقبل، الأمر الذي أعطى الفقه الإسلامي الاستمرارية، والقدرة على مواجهة ما يستجد من نوازل وأقضية. لذا لم يكن الحكم على هذه الممارسة المعاصرة بمنأى عن فكر فقهاء المسلمين القدامى حتى يكون مستعصيًا على علمائهم المعاصرين. وعلى ذلك فلعله من المفيد أن نتطرق إلى أهم الافكار الموجودة في كتب التراث حول هذا النظام.
كما أن أحد الباحثين المعاصرين قد التفت إلى مسألة جديرة بالبحث والدراسة، مفادها أن نظام BOT يصلح أن يكون تطويرًا غربيًا لبعض أساليب تثمير أموال الوقف، وخص بالذكر تلك التي استحدثها الفقهاء المتأخرون، والتي تُعْرَفُ بالأساليب غير التقليدية. فقد بيَّنَ أن هذه الأساليب قد ظهرت منذ ما يزيد عن أربعمائة سنة، وأن الغرب في عصر ظلامه كان منبهرًا بالحضارة الإسلامية المزدهرة، فلم يتردد في محاكاتها لبلوغ عصر التنوير، ولقد ثبت أنهم عرفوا الوقف ونقلوه إلى ممارساتهم وأدبياتهم باعتباره أحد أسرار المسلمين في التقدم واستمرارية العطاء. وبديهي أن يعتمد الغرب أساليب تثمير أموال الوقف - تقليدية وغير تقليدية - بل ويعمل على تطويرها، ودون النظر إلى الضوابط الشرعية التي لا تحكم سلوكه، وإذا علمنا أن BOT ظهر تطبيقه لدى الغرب منذ حوالي مائتي سنة، بدا أن فترة المائتي سنة السابقة لها تصلح أن تكون فترة حضانة لميلاد هذا النظام باعتباره تطويرًا لها. وهذا التحليل يدعونا إلى النظر فيه، فنحتاج الى أن نتناول الوقف بالقدر اللازم لأغراض هذه الدراسة، فنتعرض لمفهوم الوقف، وأنواعه، ومجالاته، وأساليب تثميره، وعلاقة ذلك بنظام BOT.
كما أن نظام BOT باعتباره أداة استثمار وتمويل أيضًا من وجهة نظر الطرف الآخر يحتاج إلى تخريج شرعي, من حيث الجوازأو المنع, ومن ثم لا نجد حرجًا في تطبيقه والاستفادة منه، أو المنع فلا يجوز العمل به وقتئذٍ ,وهناك اجتهادات فردية، ومحاولات بقياسه على عقود شرعية كقياسه على عقد الإجارة، وعقد الاستصناع.
المبحث الأول
استشراف الفقهاء القدامى لنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)
تمتلئ كتب الفقه الإسلامي بالكثير من المنتجات المالية الصالحة التطبيق في كل زمان ومكان, خاصة إذا ما تم معالجتها وتطويرها لتتلاءم والمتغيرات الطارئة على البيئات المختلفة. وهو الأمر الذي تم ملاحظته من خلال البحث في الجذور التاريخية لنظام BOT, وتتبع نشأته وتطوره, لنخلص إلى افتراضين أساسين هما:
الفرضية الأولى: نظام BOT لم يكن غائبًا عن فكر الفقهاء القدامى.
الفرضية الثانية: نظام BOT تطوير غربي لمنتج اسلامي.
الفرضية الاولى: نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية BOT لم يكن غائبًا عن فكر الفقهاء القدامى
سبق القول أن الفقهاء القدامى، كانوا يدرسون مسائل لم تقع بعد، استشرافًا للمستقبل، الأمر الذي أعطى الفقه الإسلامي الاستمرارية، والقدرة على مواجهة ما يستجد من نوازل وأقضية. لذا فليس بمستبعد أن نجد في ثنايا كتب الفقه القديمة تصورات لقدامى الفقهاء حول أقضية ونوازل نراها مستجدة، في أن لهم في فكرتها آراء وأحكام. من ذلك: فكرة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) . فقد تناولت ثلاثة كتب قديمة هذه