وهنالك فرق بين قوله: (إنك لن تصبر معي) وبين قوله: {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} [الكهف:75] .
في العبارة الأولى نفي للصبر فقط، وفي العبارة الثانية بيان أنه سيبذل جهده في الصبر، وسيصبر نفسه على الصبر، ومع هذا لن يستطيع [1] .
يقول السعدي في فوائد هذه القصة: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم، فمن لاصبر له، لايدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه [2] .
فقد قال لقمان لابنه: اصبر نفسك لمن هو فوقك في العلم ولمن هو دونك، فإنما يلحق بالعلماء من صبر لهم ولازمهم واقتبس من علمهم في رفق [3] .
فيا أيها المتفقه قد علمت أن العلم لايُنال إلا بذل النفس فلابد لك من صبر، فبدونه لن تنال غايتك، ومن ذلك أن تصبر على شدة العلماء، فإن من الناس من لايحسن تزكيته إلا بالشديد من الأقوال والأفعال، وقد يرى شيخك فيك ما لاتراه من نفسك من الآفات المهلكات، فيشتد عليك رأفة بك وحرصًا عليك، فتدبر [4] .
كما نفهم من سياق القصة فيما بعد _ أنه كان لموسى _عليه السلام _ هدف من رحلته هذه التي اعتزمها، وأنه كان يقصد من ورائها أمرًا، فهو يعلن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة، ومها يكن الزمن الذي ينفقه في الوصول. وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه القرآن من قوله تعالى: {أو أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف:60] ،
(1) الخالدي، صلاح عبدالفتاح، مع قصص السابقين في القرآن، (سورية: دار القلم،2007 م) ، ص 416
(2) السعدي، عبدالرحمن ناصر، تيسيرالكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (لبنان: دار ابن حزم، 2003 م) ،ص 457
(3) يعقوب، محمد حسين، منطلقات طالب العلم، (مصر: المكتبة التوفيقية،2001 م) ،ص 205
(4) يعقوب، محمد حسين، منطلقات طالب العلم، مرجع سابق، ص 206