كان لكلامه - عليه السلام - وقعًا في النفوس وتأثيرًا على القلوب، حتى قام أحد المعجبين بهذه الخطبة الواقعية الوعظية العصماء، المولعين المُلْهَجِينَ [1] بتلك البلاغة والطَّلاقة المتدفقة من ينابيع العلم التي تتفجر على لسان نبي الله موسى - عليه السلام -، حين يدور الحديث عن الماضي القريب الذي شاهدوه وعاينوه.
سأله: يا نبيَّ الله هل هناك من هو أعلم منك؟
هل على ظهر الأرض من إنسانٍ تفجرت له ينابيعُ الحكمةِ، وجُمِعَتْ له أوابدُ البلاغةِ وحَمَلَ بين جنبيه رسالة خيرٍ وإصلاحٍ كتلك التي حملتها لنا وقدمتها بصبرٍ وأناةٍ؟
ظنَّ موسى - عليه السلام - أن الإجابة يسيرة لا تحتاج إلى تفكرٍ وإمهالٍ، فقال: لا. لكنْ المفاجأةُ تأتي مطويَّةً في: رسالةٍ إلهيةٍ محمَّلةٍ بروحِ العتابِ على هذا التسرعِ في الجواب.
روى الإمام البخاري (1) في صحيحه بسنده من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ حَدَّثَنِي أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"... مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْمًا حَتَّى إِذَا فَاضَتِ الْعُيُونُ، وَرَقَّتِ الْقُلُوبُ وَلَّى، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ لاَ، فَعُتِبَ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ ... الحديث (2) "
إلى رحاب القصة:
المناسبة:
لهذه القصة الجليلة صلتها الوثيقة واتساقها العجيب وانتظامها الدقيق مع سياق السورة الكريمة، وبيان ذلك من وجوهٍ:
(1) ابن منظور، محمد بن مكرم, لسان العرب، ط 5، (بيروت: دار الفكر، 1423 ه) ، ج 2، ص 359