مبنية على القول بالاشتراك في الوقت فمن منعه منع الجمع ومن أثبته تقابل عنده فضيلتان إحداهما وقت الاختيار والثانية الجماعة؛ فمن رجح الجماعة على الوقت فذا جمع؛ ومن رجح الوقت لم يجمع، ورد لأن صلاة العشاء فذا بعد مغيب الشفق أولى منها جماعة قبله انتهى. قال ابن ناجي في شرح قوله في الرسالة في باب جمل من الفرائض: والجمع ليلة المطر تخفيف وقد فعله الخلفاء وهل هذه الرخصة على القول بها راجحة أو مرجوحة؟ قولان للخمي وابن رشد؛ وظاهر كلام أبي محمد [1] الأول لقوله وقد فعله الخلفاء، والصواب أنها مرجوحة؛ إذ ليست متفقا عليها؛ ألا ترى ما تقدم عن ابن القاسم أن الجمع غير مشروع وأن من جمع أعاد أبدا حكاه الباجي، وقد جرت العادة في أفراد من المساجد بعدم الجمع فيها كجامع الزيتونة عندنا بتونس انتهى.
قال الإمام سيدي أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي في شرح ابن الحاجب: المشهور أنه لا يجوز إلا من ضرورة كالمطر، وقع لأشهب كراهته فقط، ونقل الباجي وابن رشد عنه الجواز من غير كراهة، وإذا وقع التفريع على المشهور من أن الجمع جائز فهل فعله أرجح من تركه؟ وهو قول اللخمي والأكثر، أو تركه أرجح؟ وهو ظاهر ما لابن رشد؛ لأنه علل قول مالك أرجو لمن صلى في بيته لمرض أو أذى في طريقه أنه في سعة بأن فضل الوقت آكد من فضل الجماعة.
بالقرويين جرى والأندلس ... عملهم بترك جمع يا ندس
نص عليه الونشريسي لدا ... شرح ابن حاجب فحقق تقتدا
أشار بالبيتين إلى قول الإمام الونشريسي إثر ما تقدم عنه متصلا به ما نصه: تنبيه ما نقلناه عن الأكثر من أن الجمع أرجح هو ما لم يجر العرف بتركه في موضع؛ كما اتفق في الجامع الأعظم من تونس فإنه لم يسمع أنه جمع فيه فقط، قلت وكذا جامع القرويين والأندلس بفاس، وقيل في علة ذلك أنه لا بد فيه من الأذان للإعلام بدخول الوقت؛ ومن كلمات الأذان حي على الصلاة؛ وإذا دعا إلى الصلاة كان ذلك كذبا، والصواب في التعليل أنه لعدم جريان العرف بذلك انتهى.
قلت ولعل سبب جريان العرف به لأجل الأذان الذي يلفى فيه ما تقدم فلا منافاة بين التعليل والله أعلم. والندس بفتح النون وضم الدال الحاذق تكميل للبيت.
(1) هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النفزي القيرواني شيخ المذهب صاحب الرسالة و النوادر و مختصر المدونة و تهذيب العتبية و غيرها. (310/ 386)