الإنظار، وبيانه في مسألتنا أن إيقاع الصلاة في وقتها واجب ومع الجماعة مندوب ومصلحة هذا المندوب زادت على مصلحة الواجب فقدم المندوب، وحاصله أن الجمع أولى.
قلت: ولعل مصلحة هذا المندوب التي أوجبت له التقديم على الواجب هو ما قالوه في توجيه كراهة إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب؛ من أن قصد الشارع الاعتناء بالجماعة والمحافظة عليها لعل أن يكون فيهم مغفور له فيغفر لهم بسببه.
ولابن الشاط مع القرافي هنا بحث ولفظه: ما قالوه هنا ليس بصحيح؛ فإن تأخير الصلاة إلى وقتها في الحال التي شرع فيها الجمع وتقديم الصلاة الثانية إلى وقت الأولى ليس بواجب أصلا، والتقديم أولى لتحصيل فضل الجماعة، فلم يضع واجب بالجمع ولا تعارض واجب ومندوب ولا قدم مندوب على واجب ولا خولف في ذلك قاعدة؛ وإنما حمله على ما قالوه ذهاب وهمه إلى أن تأخير الصلاة إلى وقتها واجب على الإطلاق وليس الأمر كذلك؛ بل تأخير الصلاة إلى وقتها ليس واجبا على الإطلاق؛ بل هو واجب فيما عدا الحال التي شرع فيها الجمع فإنه ليس تأخير الصلاة إلى وقتها فيه واجبا بل هو جائزا انتهى. وعلى ما قاله القرافي ذهبنا في البيتين الأولين وإن بحث فيه ابن الشاط وصاحب التوضيح.
تنبيه: تقدم في الكلام على الفرق بين المسكر والمرقد والمفسد عن الشيخ ابن غازي عن شيخه أبي عبد الله الصغير أنه حكى عن شيخه أبي عبد الله العكرمي أن ولي الله تعالى أبا حفص عمر الرجراجي قال له ذات يوم: يا محمد عليك بمطالعة القواعد والفروق للقرافي ولكن لا تقبل منها إلا ما قبله ابن الشاط انتهى. قال مؤلف هذا الشرح سمح الله له بمنه: وقد سمعت بعض شيوخنا رحمه الله يحكي عن بعض الشيوخ أنه كان يستعظم هذه العبارة ويقول إن منزلة القرافي ومكانته في العلم معروفة فكيف يحجر عليه هذا التحجير ولا يقبل من كلامه إلا ما قبله ابن الشاط؟ * وكم من عائب قولا صحيحا * [1] . والواجب اتباع الحق مع من كان، قال إمامنا مالك رضي الله عنه: كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر؛ يعني قبره عليه الصلاة والسلام.
وحاصل ما اشتمل عليه البيتان الأخيران الخلاف في كون الجمع المذكور راجحا أو مرجوحا؛ قال في التوضيح: عن المازري وقع لابن القاسم ما يقتضي عدم جواز الجمع للمطر؛ فإنه قال في المجموعة من جمع بين المغرب والعشاء في الحضر لغير مرض أعاد العشاء أبدا، قال والمسألة
(1) هذا جزء من بيت للمتنبي تمامه: وآفته من الفهم السقيم.