ولا شك أن من زاد خامسة ثم تبين له بطلان إحدى الأربع؛ أو زاد سجودا ثم بان له أنه إنما سجد واحدة؛ إن نظرنا إلى الموجود صحت صلاته لجبر ذلك النقص بتلك الزيادة وآل الأمر إلى انتفاء تلك الزيادة والنقصان، وإن نظرنا إلى المقصود فهو لم يقصد بذلك الفعل الجبر وإنما أتى به على وجه الزيادة على الواجب فلا يجزئ عنه، ويبقى النظر في صحة الصلاة إن جبرها أو بطلانها، وأما على العبارة الأولى وهي من شك في أمر لا تجزئ الصلاة إلا به ثم تبين الإتيان به فإن هذا الفرع لا يدخل تحت هذه القاعدة ولا تشمله والله تعالى أعلم بغيبه.
وعلى هذا ففي قوله زد سيما مع تقديم المعمول المؤذن بالحصر تنبيه على البحث مع من أدخله تحت العبارة الأولى كصاحب التوضيح وغيره فتأمله منصفا. وعلى هذه العبارة الثانية تندرج تحت فروع ولم نتعرض لها لكونها مذكورة في الأصل حيث قال:
وهل إلى موجود أو مقصود ... نظره كناكح وعيد
إلى آخره. وإنما تعرضنا لما قيل أنه يندرج في العبارة الأولى ولم يظهر لي اندراجه فيها والله أعلم. وقوله في النظم أو سجودا بالنصب عطف على ركعة، وجملة استبان صفة وجود أي تبين أنه واجب عليه لإسقاطه سجودا آخر، وإن عن القبلة البيت هو في معرض الاستثناء من فروع القاعدة على العبارة الثانية؛ يريد أنه وإن اختلفوا فيها ينظر هل إلى الموجود أو إلى المقصود؟ فهذا الفرع لا يدخله ذلك الخلاف؛ لأنهم نظروا فيه إلى المقصود وهو قصد الانحراف عن القبلة فتبطل صلاته وإن صادفها نظرا إلى قصده، وأشرنا بذلك إلى نقل المواق في المحل المذكور قبل عن الباجي أن من انحرف عن القبلة عامدا ثم تبين له أنه استقبلها فإن صلاته باطلة، وقوله ما سلف المراد به القبلة.
ما أدرك المسبوق قيل أول ... وقيل آخر وكلا عولوا
عليهما قراءة جلوس أو ... سجود سهو وقنوت قد رووا
اختلف فيما أدركه المسبوق مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخرها؟ والمشهور التفصيل إن ما أدركه أول باعتبار القيام والجلوس آخر باعتبار القراءة، وهذا معنى قوله أنه على المشهور قاض في الأقوال بان في الأفعال، وينبني على ذلك القراءة والجلوس؛ فإذا أدرك الأخيرة من العشاء مثلا فإن قلنا ما أدرك أول صلاته فإنه يأتي بركعة وفاتحة وسورة ويجلس عليها ثم بركعتين بأم القرآن فقط، وإن قلنا هو آخر صلاته أتى بركعتين نسقا بفاتحة وسورة في كل منهما ثم يتشهد ثم بركعة بالفاتحة فقط، وإن قلنا هو أول باعتبار القيام وآخر باعتبار القراءة _ وهو المشهور _ فإنه يأتي بركعة بالفاتحة وسورة ويجلس ثم بركعة بالفاتحة وسورة أيضا ثم بأخرى بالفاتحة فقط.
وينبني على ذلك أيضا سجود السهو؛ فإذا ترتب على الإمام سجود قبلي وكان معه مسبوق أدرك معه ركعة فالمشهور أنه يسجد مع الإمام، وقال أشهب: إنما يسجد إذا قضى ما فاته، قال في التوضيح: ورواه ابن عبدوس [1] عن ابن القاسم؛ قال في البيان وهذا على قياس القول بأن ما أدرك مع الإمام هو أول صلاته إذ لا يكون سجود السهو في وسط الصلاة انتهى.
وكذلك مسألة القنوت؛ فإذا أدرك ثانية الصبح فهل يقنت في ركعة القضاء أو لا؟ قولان مبنيان على أن ما أدرك أول صلاته فيقنت أو آخرها فلا يقنت، راجع التوضيح قبل ترجمة موقف المأموم مع إمامه.
وفي شرح القلشاني أن مما ينبني على ذلك أنا إذا قلنا ما أدرك أول صلاته يخالف نية الإمام مأمومه المسبوق ولا يضره، ويقوم مدرك ركعتين لقضائه بالتكبير، وإن سجد مع إمامه لسهو قبليا ثم سها سجد له، وإن كان سهو إمامه بعديا أضافه لسهوه القبلي، وعلى أن ما أدرك آخر صلاته ينعكس الحكم في الجميع، فلا يخالف نية الإمام نية المسبوق وإلى غير ذلك، كلا مفعول عولوا المضمن معنى اعتمدوا أي اعتمدوا كل واحد من القولين؛ ضمير التثنية للقولين المتقدمين فيما أدركه المسبوق.
هل نية النفل تنافي للوجوب ... أو لا كمن للنفل من فرض يؤوب
كذاك إن نوى بغسل الجمعه ... جنابة أيضا فحققه معه
كالحج عن نذر وفرض فاسمعا ... وصوم كالعاشر والقضا معا
اختلف في نية النفل هل هي منافية لنية الوجوب أو لا منافاة بينهما؟ وينبني على ذلك من صلى ركعتين من الظهر مثلا ثم ظن أنه في نافلة؛ فأتم الركعتين الباقيتين بنية النفل؛ فتبطل صلاته على الأول دون الثاني، وكذلك من نوى لغسله الجنابة والجمعة معا فيصح غسله على الثاني دون الأول، قال ابن راشد [2] في شرح قول ابن الحاجب فلو أتمها بنية النفل سهوا فقولان ما نصه: إذا صلى ركعتين من الظهر مثلا ثم ظن أنه في نافلة فأتم الركعتين الباقيتين بنية النفل أو فعل ذلك عمدا فحكي قولان بناء على أن هذه النية منافية للأولى فتبطلها أو غير منافية، والتحقيق في ذلك أن الناسي غايته أنه اعتقد أنه في نفل والاعتقاد غير النية فلم تحصل منه منافاة؛ وهو اختيار ابن العربي، واختار غيره القول الآخر ورأى أن تلك النية منافية،
(1) هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن عبدوس الإمام المبرز العابد أحد المحمدين الأربعة (200/ 260)
(2) في النسخة المنقول منها ابن رشد وهو خطأ بدليل قوله في شرح ابن الحاجب والذي شرحه هو ابن راشد وليس ابن رشد فتأمله.