المواهب اللدنية على ذلك أيضا؛ وذكره السيوطي في جامعه؛ ولولا صلاحيته للاحتجاج ما احتج به هؤلاء؛ وأولهم رجال الحديث وجهابذته، فإن قلت سلمنا دليل حرمة المفتر لما ذكرت وكونه حراما ونهوض ذلك في هذه العشبة كما نهض في الحشيشة ونحوها؛ فهل يصح الاستدلال على حرمتها بغير ذلك أيضا أو لا؟ قلنا في هذا الدليل كفاية لأنه وصف ذاتي كالسكر في المسكر؛ ففيه غنية فهو أقطع الأدلة؛ ولو نظر إلى ما عرض فيها من إضاعة المال كما هو صورة الواقع لكان صحيحا وجليا؛ فقد تطرق بذلك ضرر للإسلام وذويه ونفع لأهل الكفر؛ بحيث اختصوا بالجيد من سكة الإسلام بل واستبدوا بكثير من أموال المسلمين في ذلك ضرر عام يفضي إلى توهين الإسلام وفل حده باستفراغ جل ما في أيديهم من عين الذهب والفضة وتقوية الكفرة بملء أيديهم بما لا ينقص شيئا من منافعهم وأقواتهم وذخائرهم ولا من عدتهم وعددهم؛ وقد منع الشرع من جلب المنافع إليهم من طعام وشمع وأحرى السلاح وأي سلاح أقوى من الذهب والفضة؛ فصار مدارها ومآل أمرها إلى إنجاد الكفر وإقعاد المسلمين عن الدفاع وأي مفسدة فوق هذا؛ على أنه عاد من ذلك ضرر وحرج في السكة يعرفه أهل المعاملات؛ وكفى بذلك كله مانعا؛ وفرض خلاف الواقع لا يصح نقضا على الواقع بل التعرض لغير الواقع من التكلف المنهي عنه؛ ولذلك كان مالك [1] يكره ذلك ويقول إن تكلم الفقيه فيما وقع من المسائل أعين؛ وإن تكلم في غير ما وقع خذل، هذا فيه وجوه كثيرة تفيد القبح والكراهة؛ بل وفي بعضها ما يقتضي الحرمة كالرائحة وإسقاط المروءة والتشبيه بهيئة أهل الخمر والفساد واللهو وتعويد النفس ما لا ينفعها بل يضر بها ويلهيها وأكل المحترق وقد منع لإضراره؛ إلى غير ذلك من السفه في دفع المال فيها والسرف.
وأما ما يقال على ذلك أو بعضه مما أشار إليه في السؤال وتزييفه وإبطاله فأعرضنا عنه تصريحا , لظهور اندفاعه بما سطرته تلويحا؛ فاعتبر ما ذكرناه واعمل بمقتضاه ولا تعتقد خلافه [2] إهماله فإن إهمال مقتضى الدليل لا يجوز بحال عملا بحق الوارد من النصوص ولو على جهة العموم حيث لا مخصص؛ ولا يتوقف في ذلك كما صرح بذلك علماؤنا؛ فإن التوفيق في بعض أفراد العام إما تحكم أو حمل النص على الإجمال مع بيانه في إفراده وذلك كله إلحاد وتحريف؛ وليس الاندراج في العموم من قبيل القياس بل من قبيل النص لاستغراقه؛ واعتبر بحديث الخمر وإدراجها في عموم:""
(1) هو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ألف كتاب الموطأ في السنة رويت عنه المدونة في الفقه. (93 - 179)
(2) راجع هذه العبارة في الحجرية