الصفحة 41 من 267

وشرور؛ واختلف فيها فتاوى العلماء وتصانيفهم؛ ونظمت في مدحها وذمها القصائد [1] ؛ فالذي يتعين على العاقل أن يتجنبها إلا لضرورة شرعية؛ ومن سلم من هذه العوارض كلها الموجبة للحرمة فإنها ترجع في حقه إلى أصل الإباحة والله أعلم، وقد عرضت هذا الكلام على سيدي الشيخ العارف بالله تعالى محمد بن عراف [2] وعلى سيدي الوالد أعاد الله علينا من بركتهما فاستحسناه وأمرا بكتابته أهـ كلام العلامة الحطاب وهو في الباب فصل الخطاب وإلى الله المرجع والمئاب.

وراجعوا حفظكم الله تأليف الإمام ابن غازي في ماء المحيى الذي ذاكر به السيد أبا يحيى [3] ففيه من هذا المنحى ما يطول جلبه، وهذا آخر ما سمحت به القريحة وهو جهد المقل ومثلي بأعباء النوازل وخصوصا الواردة من أمثالكم لا يستقل؛ فتفضلوا بالنظر فيه من غير هجر؛ واقبلوه على علات صاحبه الذي هو كحامل التمر إلى هجر؛ والله يطيل النفع للمسلمين بعلومكم الشريفة ويديم لهم الاستظلال بظلالكم الوريفة أهـ جواب شيخنا الإمام أبي العباس أحمد المقري رحمه الله تعالى.

وأما الثاني وهو شيخنا الإمام المتفنن المحدث الصوفي أبو زيد سيدي عبد الرحمان الفاسي رحمه الله تعالى فأجاب عن المسألة لما سئل عنها بما نصه: الحمد لله وصلى الله على سيدي محمد الكريم وعلى آله وسلم أزكى صلاة وأطيب تسليم وبعد فإن الذي ينبغي اعتماده بلا ثنيا ويستند إليه في صلاح الدين والدنيا مع وجوب الإعلان به والإعلام والإشادة به في جميع بلاد الإسلام أن ما عمت به البلوى من سف دخان طابة محرم الاستعمال لاعتراف كثير ممن له ميز وتجربة بأنها تحدث تفتيرا وخدرا فتشارك أولية الخمر في نشوته وتشبه الأفيون والحشيشة في جنسها ونوعها؛ وقد فسر غير واحد الإفتار باسترخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهن وانكسار فيها؛ وذلك من مبادئ النشوة؛ وذلك كله موجود فيها من غير شك ولا مين بالتجربة عند أهلها؛ حتى كأنه يكفي معها السكر القليل من الخمر، ويشهد لذلك أيضا الإدمان لها والولوع؛ فلولا اشتمالها على ذلك ما ولع بها من تعاطاها؛ ولا يوجد ذلك الولوع في دواء قط مفردا ولو كان سكريا، وما يتوهم فيها من الدواء فليست على قاعدته بحال لأنه يحفظ في دواء مفرد إطراؤه في كل فصل وفي كل سن؛ ولا في دخان شيء أنه يسف وإن كان يشم لعطريته على أنه قاهر ولو شما؛ فلذلك لا يبالغ فيه فليست من الأدوية الطبية بحال؛ إذ لا يوجد دواء لا تختلف خاصيته ومنفعته باعتبار الأشخاص على اختلاف طبائعهم وأسنانهم وخلقهم؛ بل إن كانت مجففة أهلكت المكثر منها وأضرته، وأين حالها من القهوة؛ وقد أفتى فيها العارف سيدي بالحرمة على الصفراوي والسوداوي؛ وهذه أدخل في ذلك مع زيادتها بوصف الإفتار الموجب للحرمة، وقد قال ابن مسعود [4] :"إن الله لم يجعل شفاءكم في ما حرم عليكم" [5] ، وقد كان يذكر لي بعض مهرة الأطباء وحذاقهم أنه لا دواء فيها وإنما تميت القوة التي تحس بالداء مع بقائه؛ وهذا يقتضي إفراط [6] وذلك مضر، وكذا كنت تكلمت فيها أول ما ظهرت مع بعض أشياخنا المحققين فقطع بذمها بنحو ما ذكرناه رحمه الله، وصرح بعض التونسيين في نظم له بحرمتها لكونها مفترة؛ وأن ما يفتر حكمه في الحرمة حكم ما يسكر.

فإن قلت قد نرى بعض من يتعاطاها لا يشعر بتفتيرها أو لا يعترف به؛ قلنا عدم شعوره لا ينفي ذلك عنها لما يعطيه طبعها كما أشرنا؛ ولما اعترف به كثير ممن له تجربة لها وللخمر بل صرحوا بإفتارها وإضعافها عن الجماع؛ على أنا قد نجد من يتعاطى الخمر لا يسكره وليس ذلك بناف لكونها مسكرة ولا بناف لحرمتها عليه؛ وكذلك هذه فإنها مفترة في نفسها وإن اختلف وجدان ذلك منها لأنه قد يختلف بالشهوة والضعف كالسل ويختلف أيضا لاعتياد وضراوة، فإن قلت سلمنا كونها مخدرة مفترة كما ذكرته فأين الدليل على حرمة المفتر؟ قلنا الدليل على ذلك ما ثبت في أبي داود ومسند الإمام أحمد [7] عن أم سلمة [8] قالت:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر" [9] ، قال العلقمي [10] : وحكي أن رجلا من العجم قدم القاهرة وطلب دليلا على تحريم الحشيشة وعقد لذلك مجلسا حضره الكثير من علماء العصر؛ فاستدل الحافظ زين الدين العراقي [11] بهذا الحديث فأعجب الحاضرين، وقال ونبه السيوطي على صحته وكذا احتج به ابن حجر على حرمة المفتر ولو لم يكن شرابا ولا مسكرا في شرح البخاري في باب الخمر من العسل؛ وكذا احتج به العسقلاني [12] في

(1) انظر حاشية ابن حمدون

(2) ابن عراف لم أقف عليه

(3) لعله أبو سالم إبراهيم بن عبد الرحمن التسولي عرف بابن أبي يحيى له تقييد على التهذيب و تقييد على الرسالة ت 749 هـ

(4) هو عبد الله بن مسعود الهذلي الصحابي رضي الله عنه أسلم قديما وهاجر و شهد المشاهد ت 32 هـ

(5) رواه البخاري (5/ 2129) وورد مرفوعا من طريق أم سلمة عند الطبراني في الكبير (23/ 326) وابن حبان والبيهقي وأبي يعلى كما في البيان والتعريف (1/ 181)

(6) سقطت كلمة من الأصل من هنا

(7) هو الإمام ابو عبد الله أحمد بن محمد الشيباني إمام أهل السنة صاحب المذهب المشهور ألف المسند وغيره (164/ 241)

(8) هي أم سلمة هند بنت أبي أكية المخزومية أم المؤمنين.

(9) تقدم أنه رواه أبو داود وغيره.

(10) العلقمي

(11) العراقي

(12) الصواب القسطلاني لأنه هو صحاب المواهب فتأمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت