أشار بالأبيات إلى قوله في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب في كتاب الطهارة ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا للحديث [1] : فائدة كثيرا ما يفعل العلماء التعبد؛ ومعنى ذلك الحكم الذي لم تظهر له الحكمة بالنسبة إلينا مع أنا نجزم أنه لا بد له من حكمة؛ وذلك أنا استقرينا عادة الله تعالى فوجدناه جالبا للمصالح دارئا للمفاسد، وبهذا قال ابن عباس [2] :"إذا سمعت نداء الله فهو إما يدعوك لخير ويصرف عنك شرا"، كإيجاب الزكاة والنفقات لسد الخلات؛ وإرش الجنايات لجبر المتلفات؛ وتحريم القتل والزنى والمسكر والسرقة والقذف صونا للنفوس في الأنساب والعقول والأموال والأعراض عن المفسدات، ويقرب لك ما أشرنا إليه مثال في الخارج: إذا رأينا ملكا عادته يكرم العلماء ويهين الجهال؛ ثم أكرم شخصا غلب على ظننا أنه عالم، والله تعالى إذا شرع حكما علمنا أنه شرعه لحكمة؛ ثم إن ظهرت لنا فنقول هو معقول المعنى؛ وإن لم تظهر فنقول هو تعبد والله أعلم اهـ كلام التوضيح.
قوله يشاء هو صلة ما آخر البيت الأول، وحكمه بضم الحاء والضمير لله تعالى، وحكمة الثاني بكسر الحاء والتاء المكتوبة بهاء، وفعال مضاف إليه ما قبله، وجلب نائب علم، ودرء عطف عليه، والإشارة بذا لجلب المصالح ودرء المفاسد، ولذا الثاني إشارة للمذكور من الجلب والدرء أيضا، وقوله أو دفع بالخفض عطف على الأخير، وألف أنا المفتوحة الهمزة والمشددة النون للإطلاق، وجملة عنا أي عرض لسر، قوله لكنه تفضلا هذا ليس في كلام التوضيح؛ وهو قاعدة إذ لا يجب عليه تعالى جلب مصلحة ولا درء مفسدة ولا غير ذلك إلا ما تفضل به سبحانه على عباده، والذي ضل وزل وحجب أي عن الحق هو القائل بوجوب ذلك عليه تعالى، وأنفس آخر البيت الثاني عشر بفتح الفاء من النفاس وهو الحسن، وقوله في التوضيح مع أنا نجزم أنه لا بد من حكمة؛ قال بعضهم: هذا قول أكثر الأصوليين؛ وقال بعض الفقهاء: أن التعبدات هي الأحكام التي لا علة لها بحال؛ قال: وهو ظاهر كلام ابن رشد في كتاب الصيام، وانظر ابن عرفة في بيوع الآجال، ثم قال رحمه الله تعالى:
وهذه فائدة قد تقع ... من الفقيه موقعا فتنفع
في الفرق بين مسكر ومفسد ... يعرفه منها وبين مرقد
فمسكر كالخمر ما يغيب ... العقل لا مع الحواس مطرب
بنشوة عربدة له اعتقد ... نجاسة حدا وتحريما عهد
ومفسد كعسل البلادر ... كذاك لا مع فرح بذا دري
ومرقد كالسيكران وهو ما
(1) انظر حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب في صحيح مسلم (1/ 234) وأبي داود (1/ 19) والنسائي (1/ 52) وغيرها
(2) هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عم النبي - ولد قبل البعثة بثلاث سنين و كان من المكثرين و الفقهاء من الصحابة ت (68)