وعدهم الاسلام من شرط الوجوب ... لشغله عنه بكفر لن يؤوب
البيت جواب عن سؤال مقدر؛ وكأنه استشعر أن قيل له يلزم على ما قرر ثم من الفرق بين شرط الوجوب وشرط الأداء أن الإسلام شرط أداء لأنه في طوقه وقادر عليه؛ ولذا قال ابن الحاجب لما ذكر الخلاف في تقدير زمن الطهارة لأهل الأعذار: وفي اعتبار مقدار التطهير ثالثها لابن القاسم [1] إلا لكافر لانتفاء عذره وهو مطالب بالإسلام إجماعا؛ وإذا كان في طوقه مطالبا به فهو شرط أداء وقد عدوه من شروط الوجوب؛ فأجاب عن ذلك في البيت بما حاصله أن الكافر وقت اعتقاده الكفر واشتغال خاطره به عاجز عن التوحيد؛ إذ هما ضدان لا يجتمعان فهو إذن عاجز عن الإيمان وإن كان مطالبا به؛ وإذا كان كذلك فهو من تكليف ما لا يطاق، وإذا كان عاجزا عنه وليس في طوقه صدق عليه حد شرط الوجوب، وقد اعتمدنا في الجواب المذكور على ما ذكر الإمام أبو الحجاج يوسف [2] الضرير في نظمه في التوحيد في باب تكليف ما لا يطاق ولفظه:
إن الإله مالك العباد ... وخالق الأرواح والأجساد
فجائز تكليفه لعبده ... ما لا يطاق لالتزام ضده
كأمره الكافر بالإيمان ... وأمره المسيء بالإحسان
وهو لا يطيقه في الحال ... لأجل الاشتغال بالضلال
فذكر أن التكليف بما لا يطاق جائز؛ ومثل له بأمر الكافر بالإيمان والمسيء بالإحسان وهو لا يطيق ذلك وقت الكفر والمعصية لالتزامه ضد الإيمان والإحسان وهو الكفر والمعصية؛ فلا يجتمعان مع ضديهما والله أعلم.
وقوله في البيت الاسلام فأصله الإسلام فأل داخلة على إسلام فنقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفت الهمزة واعتد بحركة اللام فاكتفي عن همزة الوصل فحذفت، والأوبة: الرجوع أي وجه عدهم الإسلام من شروط الوجوب أن الكافر لم يقدر على الرجوع عن الكفر إلى الإيمان لاشتغاله بالكفر فهو إذن عاجز عن الإسلام، وقوله لشغله هو خبر عدهم؛ فقوله لن يؤوب كأنه نتيجة عما قبله ولو وسع النظم لدخول الكاف عليه لكان أبين، ولك أن تبدل الشطر الأخير من البيت بقولنا: للشغل بالكفر فلم يقدر يؤوب. أو بقولنا: لعجزه بشغل كفر لن يؤوب. هذا أبين والله أعلم.
وكل شرط في الوجوب يشترط ... لدى الأدا أيضا فحقق ذا النمط
إلا فيجزئ الذي قد فعلا
(1) هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري (133/ 191) صحب مالكا عشرين سنة و روى عنه الموطأ و المدونة
(2) يوسف الضرير لم اقف على ترجكته.