لا شك أن قاعدة الشريعة أن الطالب إذا أقام بينة حكم له بها من غير يمين؛ لكن ذلك فيما تشهد فيه البينة بالقطع؛ أما ما شهدت بظاهر الحال معتمدة على الظن لتعذر القطع بذلك أو لعسره فلا بد فيه من يمين الطالب استظهارا على باطن الأمر، قال في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب في التفليس فإن شهد بإعساره حلف وأنظر ما نصه: هذه من المسائل التي يحلف فيها المدعي مع بينة؛ كدعوى المرأة على زوجها الغائب النفقة؛ والقضاء على الغائب، وضابطه كل بينة شهدت بظاهر فيستظهر بيمين الطالب على باطن الأمر اهـ فقوله في التوضيح كدعوى المرأة النفقة هو على حذف مضاف؛ أي عدم النفقة والله أعلم؛ فإذا قامت بينة أنه لم يترك لها نفقة ولا بعث بها إليها ووصلتها فلا بد من يمينها على ذلك؛ لإمكان أن يكون تركها أو بعث خفية، وكذا من شهد بإعساره يحلف لإمكان أن له مالا أخفاه، والمراد باليمين التي يحلفها من قضي له على الغائب هي يمين القضاء والله تعالى أعلم، إذا كان كذلك فانظر ما المراد بالبينة التي يحلف معها؛ فأراد بها بينة شهدت بظاهر الحال من أنه لم يتقاض من الدين الذي له على الغائب شيئا في علمهم؛ وأنه باق في ذمته إلى الآن لكونه كان يطالبه بدينه إلى أن غاب، فظاهر هذا فرض المسألة وهو إذا شهدت البينة بالظاهر فيستظهر بيمين الطالب على الباطن؛ وأراد بها بينة ثبوت الحق وهو المتبادر والسابق للفهم؛ فليست فرض مسألتنا؛ لأن هذه شهدت بالقطع لا بالظن على ظاهر الأمر كالتي الكلام فيها الفهم؛ إلا أن يكون مراده أن اجتماع البينة واليمين في الجملة وإن لم يتحد المشهود فيه والمحلوف عليه والله أعلم.
قال الشيخ المنجور رحمه الله تعالى في شرح قوله في الأصل: مستند الشهادة العلم نعم. . . إلى أن قال: قد يكتفى بالظن ما نصه: وكالشهادة في الاستحقاق؛ وأنه ما باع ولا وهب ولا فوت بوجه؛ ونحو ذلك مما يتعذر فيه القطع أو يعسر، ولذلك يستظهر في هذا النوع باليمين؛ وإن كان للطالب بينة لا في استحقاق الأصول على المشهور في ذلك اهـ
فقوله نفقة زوجة بسكون الفاء تخفيفا للوزن، وهو وعسر معطوفان على غائب بحذف العاطف من الأول بتقدير وكشهادة نفقة زوجة وشهادة بعسر، وقوله ويضم إلى آخره أي يضم لذلك اليمين في الاستحقاق أنه ما باع إلى آخره كما تقدم قريبا في كلام المنجور رحمه الله تعالى والله تعالى أعلم.
مستند الشهادة العلم وقد ... يلحقه الظن لعسر قد ورد
وذا كحصر وارث عسر ومن ... لم يترك الإنفاق سرا اضممن
كذا في الاستحقاق والتعريف أو ... لوث وتعديل وضر قد حكوا