والكتاب الأول جمع أحاديث الصحيحين، والموطأ، وأبى داود، والترمذى والنسائى، والكتاب الثانى جمع من أحاديث الصحيحين، وأصحاب السنن، وغير ذلك من كتب الحديث، والكتاب الثالث من كتب المختارات كما هو معلوم، ولقد راعيت عزو كل حديث إلى مصدره، وبذلت جهدًا في انتقاء واختيار الأحاديث من جامع الأصول [1] ومشكاة المصابيح أسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتى إنه سميع قريب مجيب.
ثالثًا: منهج البحث يقوم على أن أقدم في كل موضوع وفى كل خصيصة بما انتهى إليه البحث البلاغى في هذا الموضوع لأبين الضوابط التى ذكرها البلاغيون لهذه الخصيصة كما في خصيصة الإيجاز وغيرها، والهدف من ذلك أن أوضح أن بيان النبى - صلى الله عليه وسلم - يتربع على قمة البيان البشرى من خلال الربط بين بيانه - صلى الله عليه وسلم - وما وضعه البلاغيون من ضوابط وقواعد، كذلك لأبين أن بيانه - صلى الله عليه وسلم - من أسس هذه الضوابط التى وضعوها، وأن أفضل نماذج التطبيق إنما تكمن في هذا المعين الصافى، وفى هذا المنهل العذب المورود، والأصل أن تطوع هذه القواعد البلاغية لخدمة القرآن الكريم والحديث النبوى لأنها نشأت بسبب منهما (3)
فالقرآن والسنة كلاهما وحى من الله إلا أن القرآن وحى بلفظه ومعناه، والسنة وحى بالمعنى دون اللفظ، ولكن مع تأييد الله وتوفيقه للنبى - صلى الله عليه وسلم - في اختيار اللفظ الدقيق المعبر الجامع الموجز، وهذا مما يجب التنبه إليه، لأن السنة النبوية تتعرض اليوم لحملات شرسة من أعداء الإسلام الذين يريدون أن يسلبوها هذه الخصوصية"خصوصية كونها وحى من الله عز وجل بالمعنى [2] ."
(1) جامع الأصول في الطبعة التى استندت إليها يقع في اثنى عشر مجلدًا، ومشكاة المصابيح مع شرح الطيبى يقع في أحد عشر مجلدًا.
(3) يراجع للاستزادة إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعى ص 262, وتاريخ الأدب العربى - العصر الإسلامى 2/ 141,140 أ. د. شوقى ضيف، وتأثير الفكر الدينى في البلاغة العربية 12 - 14 أ. د. مهدى السامرائى.
(2) فالقرآن والسنة كلاهما وحى من الله قال تعالى خطابًا لنساء النبى صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (الأحزاب: 34) ذكر المفسرون أن الحكمة هى السنة. ينظر الطبرى 22/ 8، وابن كثير 3/ 454, والقرطبى 7/ 119, والنيسابورى 2/ 10، والبغوى 3/ 529، وأحكام القرآن لابن العربى 3/ 572. وعن المقدام بن معدى كرب رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ..."الحديث رواه أبو داود, وروى الدارمى نحوه، ورواه ابن ماجة إلى قوله:"كما حرم الله". مشكاة المصابيح ح (163) 1/ 356 ويقول الطيبى:"قوله"ألا إنى أوتيت"يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أنه أوتى من الوحى الباطن غير المتلو مثل ما أعطى من الظاهر. الثانى: أنه أوتى الكتاب وحيًا وأوتى من التأويل مثله: أى أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعمم ويخصص، ويزيد وينقص، فيكون ذلك في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن، وقيل:"ومثله معه"أى أحكامًا ومواعظ وأمثالًا تماثل القرآن في كونها وحيًا، وكونها واجبة القبول, وقد تنزه نطق رسوله عن الهوى وأمر بمتابعته فيما يأمر وينهى فقال عز من قائل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَ} (النجم: 3) وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ... } (الحشر: 7) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 1/ 356 وقال أبو البقاء في كلياته:"والحاصل أن القرآن والحديث يتحدان في كونهما وحيًا من عند الله بدليل: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 4) إلا أنهما يتفارقان من حيث إن القرآن هو المنزل للإعجاز والتحدى به بخلاف الحديث، وأن ألفاظ القرآن مكتوبة في اللوح المحفوظ وليس لجبريل عليه السلام ولاللرسول أن يتصرفا فيها أصلًا. وأما الأحاديث فيحتمل أن يكون النازل على جبريل معنى صرفًا فكساه حلة العبارة, وبين الرسول بتلك العبارة أو ألهمه كما نتفقه فأعرب الرسول بعبارة تفصح عنه أهـ"ينظر قواعد التحديث ص 59 نقلًا عن الكليات لأبى البقاء الكفوى، وقد سبق النقل عن أبى البقاء في معنى الحديث فليراجع. وممن أفاض في هذا الموضوع ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله في باب موضع السنة من الكتاب."
(2) من معالم الاتجاه العلمى: الاهتمام بالمعنى، والتحليل، والتعليل العلمى، والعناية بالمصطلح، والعناية بالتقسيم والحدود والشرح. ومن معالم الاتجاه الأدبى: الحكم، والتعليل، والتركيب (أى النظر إلى العمل الأدبى باعتباره وحدة متكاملة) ، والعناية بالنص. ولمزيد من التفصيل يراجع تأثير الفكر الدينى في البلاغة العربية.
(3) لأن إغفال الاتجاه العلمى معناه الانزلاق إلى الأهواء والأذواق الساذجة، وهذا يسلمنا إلى فوضى لا مثيل لها ... ومن الجدير بالذكر أنه لم يستطع أولئك الذين غلب عليهم الاتجاه الأدبى في البلاغة العربية أن يتخلصوا من روح الاتجاه العلمى في مناهج بحثهم ,. كما لم يستطع أولئك الذين غلب عليهم الاتجاه العلمى أن يعزلوا أنفسهم عن الروح الأدبى فجاءت مباحثهم مشربة بالاتجاه الأدبى. ينظر تأثير الفكر الدينى في البلاغة العربية ص 142 - 144
وبيانها له، وقد ذكر الآيات والأحاديث، وأقوال أهل العلم، فليراجع كلامه لنفاسته ص 558