إلى تمثيل لها لكونها ظاهرة وشائعة، ومن أولى بالفصاحة وأحق بالإيجاز منه - صلى الله عليه وسلم - [1]
ولكن لأننا بصدد بيان الخصائص البلاغية لأسلوب الحديث النبوى فيجدر بنا ذكر ضوابط الإيجاز عند البلاغيين تمهيدًا للتطبيق على بعض الأحاديث الجامعة الموجزة. وذكر ضوابط البلاغيين هنا - كما سبق - لبيان أن البيان النبوى يتربع على قمة البيان البشرى، وللربط بين ما وضعه البلاغيون من قواعد وبين البيان النبوى، وليتضح أن بيانه - صلى الله عليه وسلم - من أسس هذه القواعد والضوابط، وأن أفضل نماذج التطبيق إنما تكمن في هذا المعين الصافى، وفى هذا المنهل العذب المورود، والأصل أن تطوع القواعد البلاغية لخدمة البيان القرآنى والبيان النبوى لأنها إنما نشأت بسبب منهما [2]
فالقرآن والسنة كلاهما وحى من الله إلا أن القرآن وحى بلفظه ومعناه، والسنة وحى بالمعنى دون اللفظ ولكن مع تأييد الله وتوفيقه للنبى في اختيار اللفظ الجامع الموجزالدقيق المعبر.
والإيجاز عند البلاغيين من شروط البلاغة والفصاحة. والبلاغة: الإيجاز والاختصار [3] ، وحذف فضول الكلام حتى يعبر عن المعانى الكثيرة بالألفاظ القليلة ... ، وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة وبلاغة الكلام عند أكثر الناس حتى إنهم يستحسنون من كتاب الله تعالى ما كان بهذه الصفة، فإن كان الكلام الموجز لا يدل على معناه دلالة ظاهرة فهو قبيح مذموم لا من حيث كان مختصرًا، بل من حيث كان المعنى فيه خافيًا.
معنى الإيجاز: الإيجاز في اللغة: التقصير. يقال: أوجزت الكلام قصرته [4] أما في اصطلاح البلاغيين فيرى ابن سنان الخفاجى"أنه إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ. فلابد أن تكون العبارة عن المعنى واضحة" [5] حتى لا يختلف الناس في فهمها، فإن ذلك
(1) يراجع كلام ابن رشيق حول هذه الجزئية في العمدة 1/ 253
(2) ويراجع للاستزادة الفصل الثانى والثالث من الباب الأول.
(3) والإيجاز والاختصار بمعنى واحد كما يؤخذ من كلام صاحب المفتاح، وهو ما صرح به الطيبى. وقال ابن سيدة:"بينهما فرق منطقى، ويقال: بينهما عموم من وجه لأن مرجع الإيجاز إلى متعارف الأوساط، والاختصار قد يرجع تارة إلى المتعارف، وأخرى إلى كون المقام خليقًا بأبسط مما ذكر فيه، وبهذا الاعتبار كان الاختصار أعم من الإيجاز، ولأنه لا يطلق الاختصار إلا إذا كان في الكلام حذف، وبهذا الاعتبار كان الإيجاز أعم لأنه قد يكون بالقصر دون الحذف ... ، وقال بعضهم: الاختصار خاص بحذف الجمل فقط بخلاف الإيجاز. وقال الشيخ بهاء الدين: وليس بشئ"ويراجع اللسان 5/ 427, والكليات ص 220, والإتقان 2/ 54, وحاشية الدسوقى على مختصر السعد 3/ 163
(4) ينظر اللسان مادة"وجز"5/ 427, وشروح التلخيص 3/ 160,159
(5) ينظر سر الفصاحة ص 205 - 211