{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ... } (الكهف: 110) والعلقة في الإنسان أصل المفاسد؛ ولهذا قال جبريل بعدما أخرجها:"هذا حظ الشيطان منك"فعصمه من آفته وطمعه، كما أسلم له شيطانه على يده، قدر الله في سابقة لطفه أن يخرج حظ الشيطان منه، فجعله قدسيًا طاهر الأصل والعنصر، منور القلب، مقدس الجسم، مستعدًا لقبول الوحى السماوى، والفيض الإلهى لا يتطرق إليه هواجس النفس" [1] وإذا خطونا خطوة أخرى نحو مكة نجد أن عبد المطلب جد النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يشعر بتميز النبى من سائر الناس، فلقد روى ابن هشام"أنه كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله يأتى وهو غلام جفر [2] فيجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابنى هذا فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره، ويسره ما يراه يصنع" [3] وهذا التميز، والاصطفاء، والفطرة النقية قد لاحظها أبوطالب أيضًا، فلقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادى، وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن [4] تجلت عنه سحابة قثماء [5] حوله أغيلمة، فأخذه أبوطالب فألصق ظهره بالكعبة ... فأقبل السحاب من ههنا وههنا وأغدق واغدودق وانفجر الوادى وأخضب النادى والبادى، وإلى هذا أشار أبوطالب حين قال:"
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومما يتصل بالإعداد الربانى ما رواه ابن الأثير أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين كل ذلك يحول الله بينى وبينه ثم ما هممت"
به حتى أكرمنى الله برسالته. قلت ليلة للغلام الذى يرعى معى الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لى غنمى حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار مكة سمعت عزفًا فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة فجلست أسمع، فضرب الله على أذنى فنمت، فما أيقظنى إلا حر الشمس، فعدت إلى
(1) ينظر شرح الطيبى على مشكاة المصابيح 11/ 65,64
(2) يقال: صبى جفر إذا انتفخ لحمه.
(3) ينظر السيرة النبوية لابن هشام 1/ 168
(4) الدجن: إلباس الغيم الأرض، وأقطار السماء. يقال: يوم دجن، ويوصف به فيقال: يوم دجن. ويقال: دجن السحاب: أمطر، والسماء: دام مطرها.
(5) يقال: قثم فلان في مشيه قثمًا: أبطأ، والقثم: المعطاء والمجتمع الخلق، القثوم: الجموع للخير جمعها قثم.