فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 215

عملت"فقط لدخل ما سبق من عمل الشر، ولم يدخل ما يمكن أن يعمله الإنسان من الشر في المستقبل، وعلى ذلك تكون الاستعاذة من الشر مقصورة على عمل الماضى ولم يدخل فيها المستقبل، فأتى بقوله:"ومن شر ما لم أعمل"ليدخل في الاستعاذة العمل في مستقبل الزمان بما لا يرضاه الله، فإنه لا مأمن لأحد من مكر الله [1] فجاء الطباق هنا ليكون الدعاء جامعًا في الاستعاذة من الشر في الماضى والمستقبل."

ومن المقابلة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" [2] ، والمقابلة هنا بين"صدقا، وبينا، وبورك لهما"من جهة، و بين"كتما، وكذبا، ومحقت بركة بيعهما"من جهة أخرى، وقد مضى أن المقابلة تكون بالأضداد وبغيرها إلا أنها بالأضداد أعلى رتبة، وأحسن موقعًا كما نلا حظها في هذا الحديث.

ومن المقابلة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنها ستكون بعدى أثرة، وأمور تنكرونها"قالوا: فما تأمرنا؟ قال:"تؤدون الذى عليكم، وتسألون الذى لكم" [3] ، والمقابلة هنا بين"تؤدون، وعليكم"من جهة، وبين"تسألون، ولكم"من جهة أخرى، ومن بلاغة المقابلة هنا أنها جمعت بين الحالين: حال أداء الحق المفروض على المسلم، وسؤال الحق الذى له، وبهذا يكون المسلم متوازنًا في حياته مراعيًا للحقوق والواجبات، فليس همه أن يأخذ الذى له ويسأل عنه، وينسى الذى عليه من واجبات وحقوق، أو أن يؤدى الحق دون أن يأخذ حقه، فجاءت المقابلة لتضع توازنًا وربطًا بين أداء الحق والسؤال عنه. وما أروع هذا المعنى لو عمل به المسلم في حياته.

ومن المقابلة البديعة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا، وتروح بطانًا" [4] ، والمقابلة هنا بين"تغدو وتروح، وخماصًا وبطانًا"، وهنا أيضًا ربط ما بين الحالتين: حالتى الغدو و الرواح، وحالتى الجوع والشبع، والمقابلة هنا أظهرت الحالتين: حالتى الجوع والشبع مع الأخذ بالأسباب في الغدو والرواح، واتضح من خلالها أن الله لا يحرم من توكل عليه حق التوكل وأخذ بالأسباب، لا يحرمه المولى الكريم من فضله.

(1) قال تعالى: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (الأعراف: 99) ، وقيل:"استعاذ من أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأله أن يرى ذلك من فضل الله"ينظر شرح الطيبى على المشكاة 5/ 208

(2) متفق عليه من حديث حكيم بن حزام. نزهة المتقين 1/ 74

(3) متفق عليه من حديث ابن مسعود. نزهة المتقين 1/ 68. والأثرة: الانفراد بالشئ عما له فيه حق.

(4) أخرجه الترمذى من حديث عمر. وقال: حديث حسن. نزهة المتقين 1/ 92

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت