فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 180

و الشاهد الثالث يتعلق بما حدث للفقيه محمد بن خليل الحريري الدمشقي (ت 785 ه) ، فإنه لما أفتى ببعض فتاوى ابن تيمية، و قال أن الله تعالى في السماء، طلبه القاضي الشهاب بن الزهري الدمشقي و عزّره بالدرة، و أمر بتطويفه على أبواب القضاة. ثم أن هذا القاضي اعتذر للحريري، و قال له: إنه أخطأ فيه عندما قالوا له: إن فلانا الحريري قال كيت و كيت. و و يُروى أنه لما ضُرب هذا الرجل-أي الحريري- اغتم بعض الناس لما جرى له، فلما سمع الحريري قال: (( ما أسفي هذا، إلا على أخذهم خطي بأن أشعري، فيراه عيسى بن مريم إذا نزل ) ) [1] .

و واضح من هذه الحادثة أن الاختلاف المذهبي بين الحنابلة و الأشاعرة و تعصب القاضي للأشعرية، هو الذي عرّض الرجل للضرب و التهديد و الإكراه و الإهانة، و لم يتأسف على ذلك بقدر تأسفه على أنه أُكره على الاعتراف كتابيا بأنه أشعري، فخاف أن ينزل عيسى-عليه السلام- و يرى اعترافه الذي أُجبر عليه، و لا يعتقده!!.

و ثالثا: اختصاص الطوائف الإسلامية بأحياء سكنية خاصة بها في المدينة الواحدة، و هذه الظاهرة موجودة في كثير من مدن المشرق الإسلامي، أذكر منها ثلاثة نماذج، أولها مدينة بغداد، فكان معظم الشيعة يسكنون جانبها الغربي عامة و حي الكرخ خاصة،. و كان معظم أهل السنة يسكنون جانبها الشرقي، بمحلة باب الأزج، و سوق الثلاثاء، و الحربية. و كان كثير من الحنابلة يسكنون باب البصرة بالجانب الغربي من بغداد، قبالة حي الكرخ [2] .

و النموذج الثاني يتمثل في مدينة دمشق، فقد كانت سنية خالصة في معظم تاريخها الإسلامي، فسكن غالبية الحنابلة حي الصالحية شمال المدينة خارج سورها. و كان غالبية الشافعية و الحنفية و المالكية يسكنون داخل مدينة دمشق [3] .

و النموذج الثالث يتعلق بمدينة الري-ببلاد فارس- فقد كانت مقسمة إلى ثلاث محلات حسب الطوائف المذهبية المكونة لها، واحدة للحنفية، و الثانية للشيعة، و الثالثة للشافعية، فخُرّبت الأولى و الثانية زمن الرحالة ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هجرية، بسبب الفتن المذهبية المدمرة بين تلك الطوائف، و لم تبق إلا محلة الشافعية [4] ، التي سيخربها المغول في طريقهم إلى بغداد.

(1) ابن حجر: إنباء الغمر بأبناء العمر، ج 1 ص: 97.

(2) امثلا: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 4 ص: 448. و ابن الجوزي: المنتظم، ج 7 ص: 387، ج 8 ص: 78. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 338، ج 12 ص: 134، 160.

(3) ياقوت الحموي: نفس المصدر، ج 3 ص: 390. و يوسف بن عبد الهادي: ثمار المقاصد في ذكر المساجد حققه اسعد طلس، دمشق المهد الفرنسي، 1943 ه، ص: 145، 159.

(4) ياقوت الحموي: نفس المصدر، ج 3 ص: 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت