و قد تنازع علماء أهل السنة في حديث المولاة بين مُنكر و مُصحح له أو لبعضه،. فمنهم طائفة أنكرت الحديث كلية كالبخاري، و إبراهيم الحربي، و ابن حزم، و عبد الله الزيلعي [1] ، و ذكره في الضعيف و الموضوعات محمد بن القيسراني، و ابن الجوزي و الجوزقاني، و مقبل بن هادي الوداعي، و ابن تبيط، و عمر بن عثمان [2] . و طائفة أخرى حسّنت الجزء الأول من الحديث، و هو: (( من كنت مولاه فعلي مولاه ) )، و أنكرت الجزء الثاني منه، و قالت أن الناس زادوه، و قال بذلك أحمد بن حنبل، و الترمذي، و ابن عدي، و الذهبي [3] . و طائفة قليلة حسّنت الحديث كله، كابن حبان، و الضياء المقدسي [4] .
و قد ترجح لدي أن موقف الطائفة الثانية هو الصحيح، لأن الجزء الأول الذي أثبتوه من الحديث، لا يثير أية اعتراضات، فهو يقرر المولاة بين المؤمنين، و هي ليست خاصة بعلي-رضي الله عنه- بل هي بين جميع المؤمنين، فهي مولاة و ولاية حب و تعاون، لقوله تعالى: (( و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ) [5] . و أما الجزء الثاني الذي أنكروه و قالوا أن الناس أضافوه، فهو كلام منكر حقا، يثير كثيرا من الاعتراضات، و يتناقض مع أصول الدين و سلوكيات الصحابة مع علي. فمن ذلك أولا، أن الجزء الثاني من الحديث يقول: (( اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه ) )و هذا يعني أن الله تعالى يعادي طلحة و الزبير و عائشة -رضي الله عنهم- لمجرد أنهم حاربوا عليا، و هذا كلام باطل من أساسه، لأنه ثبت عن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- أنه بشّر طلحة و الزبير بالشهادة و الجنة، و ينطبق ذلك-أيضا- على زوجات النبي-صلى الله عليه و سلم- و من بينهن عائشة، فهن أمهات المؤمنين بنص القرآن الكريم (( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و أزواجه أمهاتهم ) )- سورة الأحزاب/ 6 - .
و ثانيا أن ذلك الجزء من الحديث يجعل قتلة عثمان و طائفة السبئية الذين كانوا مع علي، يجعلهم من الذين يواليهم الله تعالى و لا يعاديهم، لمجرد أنهم كانوا مع علي، رغم أنهم من القتلة و المنحرفين، و هذا استنتاج باطل و مضحك، سببه ذلك الجزء الباطل من الحديث.
(1) ابن تيمية: منهاج السنة، حققه محمد رشاد سالم، ط 1 د م، مؤسسة قرطبة، 1406، ج 7 ص: 319. و عبد الله الزيلعي: نصب الراية، حققه يوسف البنوري، مصر، دار الحديث، 1357 ه، ج 1 ص: 360.
(2) انظر: القيسراني: ذخيرة الحفاظ ج 3 ص: 3254، ج 3 ص: 5555.و ابن الجوزي: العلل ج 1 ص: 356.و الذهبي: أحاديث مختارة من موضوعات ابن الجوزي و الجوزقاني، المينة المنوّرة، مكتبة الدار 1404 ج 1 ص:52. و ابن تبيط: نسخة الأشجعي في الأحاديث الموضوعة، مصر دار الصحابة ج 1 ص:55.و الوداعي: أحاديث معلة ج 1 ص:155.عمر بن عثمان، الوضع في الحديث، دمشق، مكتبة الغزالي ج 2 ص:102.
(3) الذهبي: سيّر أعلام النبلاء ج 5 ص: 415. و احمد بن حنبل: فضائل الصحابة، حققه محمد عباس، ط 1، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1983.و المسند ج 1 ص: 152. و ابن عدي: المصدر السابق ج 3 ص: 80. ابن تيمية: منهاج السنةج 7 ص:320.
(4) ابن حبان: صحيح ابن حبان، حققه شعيب الأرناؤوط، ط 2 بيروت، مؤسسة الرسالة، 1993 ج 15 ص: 375. الضياء المقدسي: الأحاديث المختارة، حققه عبد الملك بن دهيش، ط 1 مكة، مكتبة النهضة الحدية' 1410 ه، ج 2 ص: 105.
(5) سورة التوبة: 71.