و الشاهد الثاني مفاده أن فقهاء أهل السنة بالقيروان أفتوا بكفر الشيعة الإسماعيليين العُبيديين، و خرجوا عليهم، و حملوا السلاح لقتالهم [1] . و الشاهد الثالث مفاده أن أعيان الحنابلة و الفقهاء و أهل الحديث ببغداد اجتمعوا بدار الخلافة سنة 460هجرية، و أجمعوا على لعن الرافضة، و أنهم كلهم كفار، و من لا يُكفّرهم فهو كافر [2] .
و بذلك يتبين جليا أن كثيرا من أعيان أهل السنة قد كفروا الشيعة، لتكفيرهم الصحابة و تضليلهم أياهم، و طعنهم فيهم. فمن المتعصب المذموم في هذه الحالة؟، لا شك أن كل طرف كفّر الآخر، لكن شتان بين من كفّر الصحابة ظلما و عدوانا، و بين من دافع عن الصحابة و كفّر من كفّرهم، فالدين كفّروا الصحابة هم المتعصبون للباطل، المخالفون للنقل الصحيح و العقل الصريح،. و أما الذين نزّهوا الصحابة و انتصروا لهم إتباعا للشرع و للحقائق التاريخية الثابتة، فهم المنتصرون للحق المتعصبون له، فتعصبهم محبوب ممدوح، و تعصب هؤلاء-أي الشيعة- مُنكر مذموم، لأن الله تعالى شهد لصحابة رسوله-عليه الصلاة و السلام- بالإيمان و العمل الصالح، و بالجنة و النصرة في الدنيا و الآخرة، و هم -أي الشيعة- خالفوا كلام الله تعالى و جعلوه وراء ظهورهم، و سبوا الصحابة و كفّروهم، إتباعا لأهوائهم و ظنونهم، و مفتريات الكذابين من سلفهم من السبئية و الرافضية، فويل لهم مما افتروا، و ويل لهم مما كتبوا من أباطيل و أكاذيب عن الصحابة، و الله تعالى قال فيهم )) وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) -سورة التوبة / 100 - ، فالله سبحانه قد شهد لهم بالجنة و الرضوان، و هؤلاء الضالون سبوهم و كفّروهم!!.
كما انه سبحانه وعدهم -أي الصحابة- بالنصر و التمكين، و قد تحقق على يدهم، في قوله سبحانه: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) )- سورة النور / 55 - و هذا الوعد تحقق بناء على شروط اشترطها الله تعالى على الصحابة، و هي الإيمان، و العمل الصالح، و عدم الإشراك بالله، فتحقق النصر على أرض الواقع، ففتح الصحابة الفتوحات و بنوا دولة الإسلام،
(1) القاضي عياض: ترتيب المدارك، ج 2 ص: 76.
(2) المنتظم، ج 8 ص: 248.