فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 180

و الحالة الثامنة محنة الفقيه الفقيه أحمد بن مري البعلي الحنبلي (ق: 8ه) ، و ذلك انه كان على منهج ابن تيمية في الأصول و الفروع، و يتعصب لمسائله، فلما كان يوما بالقاهرة و خطب بأحد مساجدها و حط على الصوفية، و نصر بعض اجتهادات الشيخ ابن تيمية، تعصب عليه جماعة من الحاضرين و أرادوا قتله فهرب، فرفعوا أمره إلى القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي، فعقد له مجلسا بين يدي السلطان المملوكي و أعوانه سنة 725 هجرية، و بعد اخذ و رد اتفقوا على ترك أمره للقاضي الأخنائي، فضربه ضربا مُبرحا حتى أدماه، ثم شهّر به على حمار أركبه عليه معكوسا و نُودي عليه، فكادت العامة أن تقتله، ثم أُعيد إلى السجن، و بعد فترة شُفع فيه، فأُخرج و سُفّر من القاهرة إلى مدينة الخليل بفلسطين و معه أهله [1] .

و واضح من هذه الحادثة أن القاضي كان متعصبا تعصبا أعمى، جعله يتجاوز الحد في العقاب، إذا كان هذا الرجل يستحق العقاب فعلا، لأن الكلام الذي قاله لا يستحق العقاب أصلا، لأنه تكلّم في الصوفية المنحرفين و هو كلام صحيح، و أخذ برأي ابن تيمية في مسألة عدم جواز شد الرحال إلى قبر النبي -عليه الصلاة و السلام-، و هي مسألة خلافية بين العلماء، و الأصح فيها ما ذهب إليه ابن تيمية و ابن مري، لأن الحديث الصحيح يقول: (( لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، و مسجد الحرام، و مسجد الأقصى ) ) [2] .

و مما يُؤيد ما قلناه عن تعصب القاضي المالكي على ابن مري، هو أن العامة جاءت إلى هذا القاضي نفسه برجل صوًب رأي ابن مري في عدم جواز التوسل بالأموات، و شهدوا عليه بذلك، لكنه -أي القاضي- لم يسمع لهم و دافع عن الرجل، فالح عليه الناس أن يفعل به بمثل ما فعل بابن مري فلم يفعل، فنسبوه إلى التعصب و قالوا فيه شعرا انتقدوه فيه [3] .

و الحالة الثامنة هي محنة الفقيه المحقق ابن قيم الجوزية (ت 751ه) ، فإنه أُذي مرارا لأخذه بمذهب شيخه ابن تيمية و انتصاره له أصولا و فروعا، و سُجن معه-منفردا- في المرة الخيرة سنة 726 هجرية، بقلعة دمشق و لم يُفرج عنه إلا بعد موت شيخه سنة 728هجرية [4] .

و آخرها -أي الحالة العاشرة- محنة الفقيه المجتهد محمد بن إسماعيل العلوي الصنعاني (ت 1182ه) ، فإنه لما كان مجتهدا حرا لا يتقيد بأي مذهب، و يرد على المتمذهبين، و يحب أهل الحديث، و يهتم بتدريس كُتب الحديث السنية، اتهمه خُصومه -الشيعة- بالنصب -أي معاداة

(1) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج 1 ص: 358.

(2) مم: الصحيح الجامع، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ج 2 ص: 1014.

(3) نفسه، ج 1 ص: 358.

(4) ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 8 ص: 288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت