الصفحة 12 من 15

هل يُشترط في حق أنصار الطاغوت وأعوانه توفر شروط الكفر فيهم وانتفاء موانعه؟

ولكنْ هلْ يُشتَرطُ في حَقِّ أنصار الطَّاغوتِ وأعوانِهِ تّوّفر شُرُوطِ الكُفر فيهم وانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ؟

نَقولُ: إنَّ القاعِدَةَ في التَّكفِيِر عندَ أهلِ العِلمِ أنَّ كلَّ مَنْ قالَ أو فَعَلَ مَا قَضَى الشَّارعُ بكُفْرهِ فَهُوَ كافرٌ بنَفْسِ ذلكَ القولِ المُكَفِّر أو الفِعْلِ المُكَفِّر، إذا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ الكُفْر في حَقِِهِ وانْتَفَتْ مَوَانِعَهِ عنه.

وَشُرُوُط الحُكْمِ بالتَّكْفِير هيَ:

أنْ يكونَ بَالِغًَا عَاقلًا، قالَ أو فَعَلَ مَا يَقتَضِي الكُفرَ بلا شُبهَةٍ.

وانْتِفَاءِ مَوَانِعِ التَّكفِير في حَقِّهِ؛ أي لا يكونَ صَغِيرًَا ولا مَجنُونًَا ولا مَعْتُوهًَا ولا جَاهِلًا بالحُكمِ الشَّرعيِّ وأنْ لا يَصْدُرَ مِنه الفعلُ المُكفِّرُ أو القولُ المُكفِّرُ في حالِ النَّومِ أو النِسيَانِ أو عندَ إنْغِلاقِ العَقْلِ كحَالِ الغَضَبِ الشَّديدِ أو الفَرَح الشَّديدِ، لحَديثِ الذي قالَ: (اللهُمَّ أنتَ عبْدِي وأنَا رَبُّكَ، أخْطَأ مِنْ ِشدَّةِ الفَرَح) .

ويَدْخُلُ في ذلكَ أيضًا: الخَطَأ في التَّأويلِ أو لكونِ الدَّليلِ الشَّرعيِّ غيرَ قَطْعِيّ الدَّلالةِ على الكفْر أو لِكونِ الفِعْلِ أو القولِ غيرَ صَريحٍ في الكُفْر.

ولكنَّ تَبَيُّنَ هذِهِ الشُرُوطِ وانْتِفَاءِ المَوَانِعِ في حَقِّ المَقْدُور عليه لا المُمْتَنِعُ بشَوكةٍ أو طائِفةٍ، فإنَّ المُمْتَنْعَ بشَوكةٍ أو طائِفةٍ كالمُرتَدِّينَ وَمَانِعِيِّ الزَّكاةِ وكأنصَاِر الطَّواغيتِ وأعوانِهِم لا ُيشتَرَطُ في تَكفِيِرهِم تَبَيُّنَ ُشرُوُطُ التَّكفِيِر في حَقِّهم وانْتِفَاءِ المَوَانِعِ عنْهم، ودَلِيْلُهُ؛ أنَّ أبا بكرَ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ عنه قَاتَلَ المُرتَدِّينَ ومَانِعِيِّ الزَّكاةِ ولمْ يَتَبَيَّنْ تَوفر ُشرُوُطِ الكُفر في حَقِّهم وانْتِفَاءِ المَوَانِعِ عنهم إذ لا سَبِيلَ إلى ذلكَ نَظَرًَا لِكَثرةِ المُرتَدِّينَ وقدْ كانوا أحْيَاءَ كثيرةً مِنَ العَرَبِ.

وفي ذلكَ يَقولُ الإمامُ ابن كثيرٍ في"البدَايةِ والنِهايةِ" [68] : (لمَّا ُتوُفيَّ، أي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إرْتَدّتْ أحيَاءٌ كثيرةٌ مِنَ الأعْرَابِ، وَنَجَمَ النِفَاقُ بالمَدِينةِ وانْحَازَ إلى مُسَيلمَة الكذَّابِ بنُو حَنيفة وخلقٌ كثيرٌ باليَمَامةِ، وَالتَفَّتْ على طَلحَة الأسَدِيِّ بنُو أسَدٍ وَطَيءٍ، وَبَشَرٌ كثيرٌٌ أيضًا، وادَّعَى النُبُوَّةَ أيضًا كَمَا ادَّعَاهَا مُسَيلمَة الكذَّابُ وَعَظُمَ الخَطبُ واشْتَدَّتْ الحَالُ، وَنَفَّذَ الصدِّيقُ جَيشَ أسامَة، فَقَلَّ الجُنْدُ عندَ الصِدِّيقَ، فَطَمِعْتْ كثيرٌ مِنَ الأعْرَابِ في المَدِينةِ وَرَامُوا أنْ يَهْجُمُوا عليها، فَجَعَلَ الصِدِّيقُ على أنْقَابِ المَدِينةِ حُرَّاسًَا يَبِيتُونَ بالجُيوش حَولهَا ... ) أهـ.

وقالَ محمَّد بن اسحاق: (ارْتَدَّتْ العَرَبُ عندَ وَفاةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَا خَلا أهلُ المَسجدَين مَكَّةَ والمَدينة وارْتَدَّتْ أسَدُ وغَطفَانُ وعليهم ُطليحَة بن خويلد الأسديُّ الكاهنُ، وارْتَدَّتْ ِكنْدَةُ وَمَنْ يَليهَا، وعليهِمُ الأشعَثُ بن قيس الكِندِيُ، وارْتَدَّتْ مذجحُ ومَنْ يَليهَا، وعليهِمُ الأسودُ بن كعب العَنْسيُّ الكاهنُ، وارْتَدَّتْ رَبيعَة معَ المَعْرُور بن النُعمَان بن المُنذِر، وكانت حَنِيفة مُقِيمَة على أمرهَا مع مُسيلمَة ابن حَبيبٍ الكذَّابُ، وارْتَدَّتْ سليمُ مع الفَجأةِ، واسْمُهُ أنس بن عبد ياليل، وارْتَدَّتْ بَنَُو تَمِيمٍ مع سَجَاحٍ الكاهنة ... ) [69] أهـ.

ُقلتُ: فإذا كانت الِردَّةُ عمَّتْ كثيرًا مِنَ العَرَبِ في زمنِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنه فهلْ يُعْقلُ أنْ يكونَ أبو بكر يَتَبَيَّنَ تَوَفرَ الشُرُوط، أي شُرُوطِ التَّكفِير، فيهم وانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ في حَقِّهم؟ ولا يُقَاتِلهم إلاَّ بعدَ أنْ يَتَأكَّدَ مِنْ ذلكَ؟! فهذا مِنَ المُحَالِ، ولذلكَ بَادَرَ إلى قِتَالِهم لكونِهم مِنَ المُمْتَنِعِينَ بشَوْكةٍ أو طائفةِ، لاسْتِحَالةِ ادْخَالِهم في قَبْضَةِ الإمامِ والخَلِيفةِ، وإلزَامِهِم بحُكمِ الإسلامِ وهُمْ مُمْتَنِعُونَ بشَوكةٍ أو طائِفةٍ، ومِنَ المَعْلومِ أنَّ المُمْتَنعَ بشَوكةٍ وَعَدَدٍ يُقَاتَلُ مِنْ غيرِ تَبَيُّنِ تَوَفرِ شُرُوطِ الكُفر في حَقِّهِ وانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ عنهُ لاخْتِلافِ الحُكمِ بينَ المَقْدُوِر عليهِ وَغيِر المَقْدوِر عَليهِ كَمَنْ يكونُ في مَنَعَةٍ بشَوكةٍ وَعَدَدٍ وطائفةٍ كالبُغاةِ وَقطَّاعِ الطُرقِ، المُحَاربينَ، وأهلُ الردَّةِ ونَحوهِم وذلكَ مَا نَصَّ عليهِ العُلماءُ في التَّفريق بينَ المَقدُوِر عليهِ وغيِر المَقدُوِر عليهِ.

ففي"كِفَايةِ الأخيَاِر"للإمامِ أبي بكر الحُسَينيُ الشَّافِعي [70] في"بابِ؛ قِتَالِ البُغَاةِ"، قالَ: (فصلٌ؛ وَيُقَاتَلُ أهلُ البَغيِّ بثلاثِ شَرَائِطَ؛ أنْ يكونُوا في مَنَعَةٍ، وأنْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الإمامِ، وأنْ يكونَ لهم تَأويلٌ سَائِغٌ) . فقالَ في شَرحِهِ [71] : (ولِلبُغَاةِ صفَاتٌ يَتَمَيَّزُونَ بها عنْ غيِرهِم مِنَ الخَارجينَ على الإمامِ، منها أنْ يكونوا في مَنَعَةٍ؛ بأنْ يكونَ لهم شَوكة وَعَدَدٌ بحيثُ يَحتَاجُ الإمامُ في رَدِّهم إلى الطَّاعةِ إلى كُلفَةٍ ببَذلِ مالٍ وإعدَادِ رجَالٍ أو نَصْبِ قِتَالٍ فإنْ كانوا أفرَادًَا، وَيَسْهُلُ ضَبْطهُم فَليْسُوا ببُغَاةٍ، ولا ُيشتَرَطُ انفِرَادَهم بمَوضعٍ مِنْ قريةٍ أو صَحراءٍ على الراجحِ عندَ المُحَقِقينَ، قالَ الرَافِعيُّ: ورُبَّمَا يُعتَبرُ خُرُوجَهم عنْ قبْضَةِ الإمامِ وهذا هُوَ الشَّرطُ الثاني عندَ الشيخ ... ) أهـ.

ُقلتُ: قولهُ عندَ الشيخِ، المُرادُ بالشيخِ هُوَ الأصْبَهَانيُّ صَاحبُ كتابِ مَتْنِ الغَايةِ والتَّقريبِ، ذلكَ أنَّ ِكفايةِ الأخيَاِر شَرحٌ للمَتنِ المَذكوِر.

وقالَ شيخُ الإسلامِ في"مجموع الفتاوى" [72] : (العُقوباتُ التي جَاءَتْ بها الشَّريعة لِمَنْ عَصَى اللهَ ورسولهُ نوعَان: أحَدُهمَا عُقوبَة المَقدُوِر عليه. مِنَ الوَاحِدِ والعَدَدِ كَمَا تَقَدَّم، والثاني: عِقَابُ الطَّائفةِ المُمْتَنِعةِ كالتي لا يُقدرُ عليها إلاَّ بقِتَال) أهـ.

وقالَ الإمامُ النَّوَويُ في"مِنْهَاجِ الطَّالَِبينَ"في"كتابِ البُغَاةِ": (هُم مُخَالِفوا الإمَامِ بخُروجٍ عليهِ وتَركِ الإنْقِيادِ أو مَنْعُ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَليهم بشَرطِ شَوكةٍ لهم وَتَأويلٍ وَمُطاعٍ فيهم، قِيْلَ وإمَامٌ مَنْصُوبٌ ... ألخ) .

وقالَ شَاِرحَهُ الخَطِيبُ الشَربينيُّ في ُ"مغنْيِ المُحتَاج" [73] : ( ... وإنَّما يكونُ مُخَالِفوا الإمَامِ بُغَاةً(بشَرطِ شوكةٍ لهم) بكَثرةٍ أو قوةٍ ولو بحِصْنٍ بحيثُ يُمكنُ مَعَها مُقَاومة الإمامِ فيَحْتاجُ في رَدِّهم إلى الطَّاعةِ لكُلفَةٍ مِنْ بَذلِ مالٍ وَتَحْصِيلِ ِرجَالٍ ... ).

ثمَّ قالَ: (وبشَرطِ"مُطَاعٍ فيهم"؛ أي مَتَبُوعٍ يَحصُلُ بهِ قوةً لشَوكَتِهم وإنْ لمْ يَكنْ إمَامًَا مَنْصُوبًَا فِيهم يَصْدُرُونَ عنْ رَأيهِ، إذ لا قوةَ لِمَنْ لا يَجْمَعُ كَلِمَتَهم مُطَاعٌ وهذا نَقَلَهُ الرَّافِعيُّ عنْ الإمَامِ، وظَاهِرُ كَلامِهِ أنَّ الإمَامَ شَرطٌ لِحُصُولِ الشَّوكةِ، لا أنَّه شَرطٌ آخرَ غيرَ الشَّوكةِ كَمَا يَقتَضِيهِ تَعْبيرُ الكِتَابِ ولِهذا لمْ يَذكرْ في المُحَرَِّر غيرَ شَرْطين، وَجَعَلَ المُطاعَ قيْدًَا في الشَّوكةِ ... ) أهـ.

وفي"أحْكامِ القرآنِ"للجصَّاص [74] قالَ: (وَمَعلومٌ أنَّ المُرتَدِّينَ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُم في زَوَالِ العُقوبةِ عنْهم بالتَّوبةِ بعدَ القدْرَةِ كَمَا ُتسْقِطهَا عنْهم قَبَلَ القدْرَةِ وقدْ فرَّقَ اللهُ بينَ تَوبَتِهم قبلَ القدْرَةِ أو بَعدَهَا) أهـ. أي في قولِهِ تعالى: {إلاَّ الذينَ تَابُوا مِنْ قبْلِ أنْ تَقدِرُوا عليهم} (المائدة: 34) .

ُثمَّ قالَ: (فَشَرطٌ في زَوَالِ الحَدِّ عَنِ المُحَاربينَ وُجُودُ التَّوبةِ مِنْهم قبلَ القدْرَةِ عليهم وَأسْقَطَ عُقوبةَ الكُفِر بالتَّوبةِ قبلَ القدْرَةِ وَبَعْدَهَا) أهـ.

وقالَ الخَطيبُ الشَّربينيُّ في ُ"مغنْي المُحتَاج" [75] : (وَالمُرْتَدُّ إذا حَارَبَ لا يُسْتَتَابُ) أهـ.

ُقلتُ: لأنَّه إذا حَارَبَ غَيرَ مَقدُورٍ عليه فَهُوَ في مَنَعَةٍ بشَوكةٍ وَعَدَدٍ.

وقالَ ابنُ رُشدٍ في"بدَايةِ المُجْتَهدِ" [76] في مُسْقِطِ الوَاجبِ عنْهُ مِنَ التَّوبةِ فقالَ في تَوبةِ المُحَاربِ: (وَتَحصِيلُ ذلكَ هُوَ أنَّ تَوبَتَهُ قيلَ أنَّها تكونُ بأنْ يَأتِيَ الإمَامُ قَبلَ أنْ يَقدِرَ عليه، وقيلَ إنَّها إنَّما تكونُ إذا ظَهَرتْ تَوبَتهُ قبلَ القدْرَةِ فقط، وقيلَ تكونُ بالأمرَين جَمِيعًَا، وأمَّا صِفَة المُحَاربِ الذي ُتقبَلُ تَوبَتَهُ، فإنَّهم اخْتَلفوا فِيهَا أيضًا على ثلاثةِ أقوالٍ: أحَدُهَا أنْ يَلحَقَ بدَاِر الحَربِ، والثاني: أنْ تكونَ له فِئَة، والثالثُ: كَيفَمَا كانتْ له فِئَة أو لمْ تكنْ لَحِقَ بدَاِر الحَربِ أو لمْ يَلحَق) أهـ.

وقالَ شيخُ الإسلامِ في"الصَّارمِ المَسْلولِ" [77] : ( ... فإنَّ نَاقِضَ العَهدِ قِسْمَان: مُمْتَنِعٌ لا ُيقدَرُ عليه إلاَّ ِبقِتَالٍ، وَمَنْ هُوَ في أيْدِي المُسلمينَ. أمَّا الأولُ فأنْ يكونَ لهم شَوكة وَمَنَعَة فَيَمْتَنِعُوا بها على الإمَامِ مِنْ أدَاءِ الِجزيَةِ والتِزَامِ أحْكامِ المِلَّةِ الوَاجبَةِ عليهم، دُونَ مَا يَظلِمَهم بِهِ الوُشَاةُ أو يَلحَقوا بدَاِر الحَربِ مُسْتَوطِنِينَ بهَا، فهؤلاءِ قدْ نَقَضُوا العَهْدَ بالإجْمَاع ... ) أهـ.

وقالَ شيخُ الإسلامِ أيضًا في"الصَّارمِ المَسْلول" [78] عِندَ كَلامِهِ عَلى نَقضِ عَهْدِ أهلِ الذِمَّةِ: (القِسمُ الثاني: إذا لمْ يكنْ مُمْتَنِعًَا عَنْ حُكمِ الإمَامِ، فَمَذهَبُ أبي حَنِيفةِ أنَّ مِثلَ هذا لا يكونُ نَاقِضًَا للعَهدِ، ولا يَنْقضُ عَهْدَ أهلِ الذِمَّةِ عِندَهُ إلاَّ أنْ يَكونوا أهلَ شَوكَةٍ وَمَنَعَةٍ وَيَمْتَنِعُوا بذلكَ عَنْ الإمَامِ ولا يُمكِنَهُ إجْرَاءُ أحْكامِنَا عليهم أو تَخَلَّفوا بدَاِر الحَربِ لأنَّهم إذا لمْ يَكونوا مُمْتَنِعِينَ أمْكنَ الإمَامُ أنْ ُيقِيمَ عليهُمُ الحُدُودَ، وَيَسْتَوفِي مِنْهُمُ الحُقوقَ، فلا يَخْرُجُونَ بذلكَ عَنِ العِصْمَةِ الثابتَةِ كَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الإمَامِ مِنْ أهلِ البَغْيِّ ولمْ تكنْ له شَوكَة) أهـ.

ُقلتُ: إنَّ العُلماءَ قدْ فَرَّقوا في الحُكْمِ على المُمْتَنِعِ والمَقدُوِر عليه في الحَرَابَةِ والبَغْيِّ وفي الِردَّةِ، فمَنْ كانَ مُمْتَنِعًَا مِنْ هؤلاءِ بشَوكَةٍ أو عَدَدٍ كالطَّائِفةِ المُمْتَنِعَةِ وتَابَ قبلَ أنْ يَقدِرَ عليه الإمامُ ُقبِلتْ تَوبَته وذلكَ أنَّ اللهَ قدْ فَرَّقَ بينَ التَّوبَةِ قبلَ القدْرَةِ وبَعْدَهَا في قولِهِ تعالى: {إلاَّ الذينَ تَابُوا مِنْ قبلِ أنْ تَقدِرُوا عليهم فاعَلَمُوا أنَّ اللهَ غَفورٌ رَحِيمٌ} (المائدة: 34) .

ولذلكَ قالَ شيخُ الإسلامِ في"الصَّارمِ المَسلولِ على شَاتِمِ الرَّسول"ِ [79] : (واعْلَمْ أنَّ هذِهِ الآيةِ جَامِعَة لأنوَاعٍ مِنَ المُفسِدِينَ، والدَلالة مِنها هُنَا ظَاهِرَةٌ قَويَّةٌ لِمَنْ تَأمَّلها، لا أعْلمُ شيئًَا يَدْفعُهَا. فإنْ قِيلَ: مِمَّا يَدُلُ على أنَّ المُحَارَبَةَ هُنَا باليَدِّ فقط أنَّه قالَ: {إلاَّ الذينَ تَابُوا مِنْ قبلِ أنْ تَقدِرُوا عليهم} (المائدة: 34) ، وإنَّما يَكونُ هذا فيْمَنْ كانَ مُمْتَنِعًَا، والشَّاتِمُ ليسَ مُمْتَنِعًَا. ِقيلَ الجوابُ مِنْ وُجُوهٍ: أحَدُهَا: أنَّ المُسْتَثنَى إذا كانَ مُمْتَنِعًَا لمْ يَلزَمْ أنْ يَكونَ المُسْتَبْقى مُمْتَنِعًَا، لجَوَاِز أنْ تكونَ الآية تَعُمُّ كلَّ مُحَاربٍ بيَدٍ أو لَِسَانٍ، ُثمَّ اسْتَثنَى مِنْهم المُمْتَنِعَ إذا تَابَ قبلَ القدْرَةِ، فيَبْقى المَقدُورُ عليه مُطلقًا، والمُمْتَنِعُ إذا تَابَ بَعدَ القدْرَةِ. الثاني: أنَّ كلَّ مَنْ جَاءَ تَائِبًَا قبلَ أخْذِهِ فقدْ تَابَ قبلَ القدُرْةِ عليه) أهـ.

وقالَ أيضًَا في"الصَّارمِ المَسلولِ" [80] مُبَيِّنًَا أنَّ مَنْ كانت ِردَّتُهُ مُحَارَبة اللهِ ورسولِهِ بيَدٍ أو لِسَانٍ أنَّه لا يُسْتَتَابُ ولا ُتقبَلُ تَوبَته لِغِلَظِ كُفرهِ وعِظمِ جُرمِهِ. فقالَ: (وبالجُمْلةِ فمَنْ كانت ِردَّتُهُ مُحَارَبةً للهِ ورسولِهِ بيَدٍ أو لِسَانٍ فقدْ دَلَّتْ السُنَّة المُفَسِّرةُ للكِتَابِ أنَّه مَنْ كَفَرَ كُفْرًَا مَِزيْدًَا لا ُتقبَلُ تَوبَتُُهُ مِنْه) .

ُقلتُ: والحَاصِلُ مِنْ هذِهِ النُّقولِ العِلمِيَّةِ عَنِ الأئِمَّةِ الأفذَاذِ بَيَانُ أنَّ أنْصَارَ المُرتَدِّينَ لا يُشْتَرَطُ في تَكْفِيرهِم بأعْيَِانِهِم تَبَيُّنَ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ فيهم وانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ في حَقِّهِم، كَمَا أنَّه لا يُشْتَرَطُ اسْتِتَابَتَهم مَا دَامُوا غيرَ مَقدُورٍ عليهم لكونِهِم مُمْتَنِعِينَ بشَوكَةٍ وَعَدَدٍ وهذا الذي دَلَّتْ عليه سُنَّة الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ في قِتَالَِهِم للمُرْتَدِّينَ وَمَانِعِيِّ الزَّكاةِ وفي قِتَالِهِم للبُغَاةِ والمُحَاربينَ كقطَّاعِ الطُرُقِ والمُفْسِدِينَ في الأرض.

وهذا الحُكمُ بعَيْنِهِ يَنْطَبِقُ على أنصاِر الطَّواغيتِ وأعوانِهِم لتَحْقِيقِ مَنَاطِ الِردَّةِ في حَقِّهِم، ولكونِهِم مِنَ المُحَاربينَ للهِ ورسولِهِ بأيْدِيهِم وألسِنَتِهِم، كَمَا أنَّه قدْ انْضَمَّ إلى ُكفِْرهِم مَِزيْدُ أذَىً وإضْرَارٍ للدِّينِ ولِحَمَلةِ الشَّريعَةِ، فَضْلًا عَنْ مُوَالاتِهِم للكافِرينَ ومُقَاتَلَتِهِم في سبيلِ الطَّاغوتِ والشَّيطانِ ومُظَاهَرتِهِم للأمِْريْكانِ على المُسلمين، فمَنْ زَعَمَ أنَّ في الكتابِ والسُنَّةِ وإجمَاعِ الصَّحَابةِ مَا يَعُمُّ تَوبةَ كلَّ مُرتَدِّ سواءً كانت ِردَّتُهُ مُجَرَّدَةً أو غَلِيظةً بأيِّ شيءٍ كانَ باللسَانِ أو باليَدِّ فقدْ أخْطأ، وفيمَا ذَكَرْنَا مَا يَفِي بالمَقصُودِ وَيُعِيْنُ على فَهْمِ المَطلوبِ.

واللهُ هُوَ المُوَفقُ للصَّوابِ.

[69] أنْظُر البدَايةَ والنِهايةَ لابن كثيرٍ (3: 6: 344)

[70] ص 491

[71] ص 492

[77] ص 255

[78] ص265

[79] ص 387 - 388

[80] ص 369

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت