الصفحة 13 من 15

هل يُعذر أنصار الطاغوت وأعوانه بالجهل؟

في ِظلِّ مُلكٍ ثَابتِ الأوْتَادِ ... بَقِيَ أنْ نُشِيْرَ هُنَا إلى مَسْألةٍ مُهِمَّةٍ طَالمَا يُرْدِّدُهَا البَعضُ وهِيَ ...

هلْ يُعْذَرُ أنصارُ الطَّاغُوتِ وأعوانِهِ بالجَهْلِ؟ بمَعْنَى هلْ جَهْلُ النَّاسِ بكُفْرِ الحُكَّامِ المُبَدِّلِينَ لشِرْعِ اللهِ وَِردَّتِهِم هُوَ الدَّافِعُ لهم أنْ يَنْخَِرُطوا في ُصفُوفِ جَيْشِ الحَاكِمِ المُرْتَدِّ وتَشكِيْلاتِهِ العَسْكِريَّةِ والأمْنِيَّةِ؟ وهلْ هذا الجَهْلُ مِمَّا يُعْذَرُ فيه صَاحِبَهُ أمْ لا؟

أقولُ: قدْ بَيَّنَّا فيمَا مَضَى أنَّ أنصارَ المُرْتَدِّينَ وأعوانِهِم لا ُيشْتَرَطُ في تَكْفِيرهِم تَبَيُّنُ ُشرُوطَ الكُفِْر وانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ في حَقِّهِم لكونِهِم مُمْتَنِعِينَ بشَوْكَةِ الحَاكِمِ المُرْتَدِّ وُقوةِ سُلطَانِهِ وَبَيَّنَّا أنَّ حُكْمَ المُمْتَنِعِ بشَوْكَةٍ وعَدَدٍ غيرُ حُكْمِ المَقدُوِر عليه مِمَّنْ يكونُ في قَبْضَةِ المُسلمينَ أو يَتَمَكَّنُِ الإمَامُ أو مَنْ يَنُوبُ عنه مِنْ إخْضَاعِهِ لِحُكمِهِ وتَطبِيقُ حُكْمِ اللهِ فِيهِ وفي أمْثالِهِ.

ومَعَ أنَّ العُذرَ بالجَهْلِ يَنْدَِرجُ في مَبْحَثِ مَوَانِعِ التَّكفِيرِ إلاَّ أنَّ العُلمَاءَ قدْ قَسَّمُوا الجَهْلَ إلى مَا يُعْذرُ بِهِ الإنْسَانُ ومَا لا يُعْذَرُ بِهِ، فمَا يُعْذَرُ بِهِ الجَهْلُ كالمَسَائِلِ المَجْهُولةِ مِثلُ المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ التي اخْتَلفَ أئِمَّة الإسلامِ فيها ولمْ يُجْمِعُوا عليها وكالمَسَائِلِ الإجْتِهَادِيَّةِ التي تَتَعَدَّدُ فيها أقوالُ مُجْتَهِدِي الأمَّةِ وأئِمَّتِها، نَظَرًَا لكونِ تِلكَ المَسَائِلَ ليسَ فيها نَصٌّ قَطعِيٌ في دَلالتِهِ وُثبُوتِهِ. أو كأنْ يكونَ الجَاهِلُ حَدِيثُ عَهْدٍ بالإسلامِ أو نَشَأ في بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ أمَّا مَا يُمكِنُ للمُكَلَّفِ دَفعُهُ أو لا يَسَعُ أحَدًَا جَهْلهُ غيرَ مَغْلوبٍ على عَقلِهِ كمَسَائِلِ الإيمانِ والتَّوحِيدِ ومَسَائِلِ الشركِ والكفرِ والوَلاءِ والبَراءِ وكأركانِ الإسلامِ والإيمانِ ومَعْرفَةِ نَوَاقِضِ الإسلامِ والإيمانِ ومُحْبِطاتِ التَّوحيدِ ومَعْرفَةِ الحَلالِ والحَرامِ وغيرُ ذلكَ مِنْ مَسَائِلِ العِلمِ التي لا يَسَعُ بَالِغًَا غيرَ مَغْلوبٍ على عَقلِهِ جَهْلُهُ، فلا يُعْذَرُ فيه المُكَلَّفُ بالجَهْلِ سواءً ادَّعَاه أو تَعَذَّرَ بهِ، لوُجُوبِ تَعَلمِهِ وسُؤالُ أهلِ الذِكرِ عنه إنْ جَهِلَهُ لقولِهِ تعالى: {فاسْألوا أهلَ الذِكِر إنْ ُكنْتُمْ لا تَعْلمُونَ} (النَّحل: 43) ، فمَنْ قصَّرَ في تَعَلُمِ ذلكَ أو فَرَّطَ فيه لمْ يَكنْ مَعْذورًَا فيهِ.

يقولُ القرافيُّ المَالكيُّ في"الفُرُوقِ" [81] : (القَاعِدةُ الشَّرعيَّة دَلَّتْ على أنَّ كلَّ جَهْلٍ يُمكنُ المُكَلَّفِ دَفعَهُ، لا يَكونُ حُجَّة للجَاهِلِ، فإنَّ اللهَ تعالى بَعَثَ رُسُلَهُ إلى خَلقِهِ برَسَائِلِهِ، وأوْجَبَ عليهم كَآفَةً أنْ يَعْلَمُوهَا، ُثمَّ يَعْمَلوا بهَا، فالعِلمُ والعَمَلُ بهَا وَاِجبَان، فمَنْ تَرَكَ التَّعَلمَ والعَمَلَ، وَبَقِيَ جَاهِلًا، فقدْ عَصَى مَعْصِيَِتَينِ لتَرْكِهِ وَاِجبَينِ) أهـ.

ويقولُ ابنُ اللَّحامِ الحَنْبَليُّ في"القوَاعِدِ والفَوَائِدِ الأصُوليَّةِ" [82] : (جَاهِلُ الحُكْمِ إنَّمَا يُعْذَرُ إذا لمْ ُيقَصِّرَ وَيُفَرِّطَ في تَعَلُمِ الحُكْمِ، أمَّا إذا قَصَّرَ أو فَرَّطَ فلا يُعْذَرُ جَزْمًَا) أهـ.

ويقولُ الإمَامُ الشَّافِعِيُّ في"الرَّسَالةِ" [83] : (إنَّ مِنَ العِلمِ مَا لا يَسَعُ بَالِغًَا غيرَ مَغْلوبٍ على عَقلِهِ جَهْلُهُ مِثلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وأنَّ للهِ على النَّاسِ صَومُ شَهْرِ رَمَضَان، وَحَجُّ البَيتِ إذا اسْتَطَاعُوهُ، وزَكَاةٌ في أمْوَالِهِم، وأنَّه حَرَّمَ عليهمُ الزِّنَا والقتَلَ، والسَّرقةَ والخَمْرَ، ومَا كانَ في مَعْنَى هذا) أهـ.

ويقولُ الشَّيخُ محمَّد بن عبد الوهاب النَّجْدِيُ: (إنَّ الذي لمْ تَقمْ عليه الحُجَّة هُوَ الذي حَدِيثُ عَهْدٍ بالإسلامِ والذي نَشَأ ببَادِيَةٍ، أو يكونُ ذلكَ في مَسْألةٍ خَفِيَّةٍ مِثلُ الصَّرفِ والعَطفِ * فلا يُكَفَّرُ حتَّى يَعْرف، وأمَّا أصُولُ الدَّينِ التي أوْضَحَهَا اللهُ في كِتَابِهِ فإنَّ حُجَّةَ اللهِ هِيَ القرآنُ، فمَنْ بَلَغَهُ فقدْ بَلَغَتْهُ الحُجَّة) [84] .

ويقولُ كَمَا في"الدُّرَرُ السُنِيَّةِ" [85] : (إنَّ الشَّخَصَ المُعَيَّنَ إذا قالَ مَا يُوجبُ الكُفر، فإنَّه لا يُحْكَمُ بكُفرِهِ حتَّى تَقومُ عليه الحُجَّة التي يَكْفُرُ تَاركُهَا، وهذا في المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ التي قدْ يَخْفَى دَلِيْلهَا على بَعضِ النَّاسِ وأمَّا مَا يَقَعُ مِنْهم في المَسَائِلِ الظَّاهِرةِ الجَليَّةِ، أو مَا يُعْلمُ مِنَ الدَّينِ بالضَّرُورَةِ فهذا لا يُتَوَقفُ في ُكفر قَائِلِهِ، ولا تَجْعَل هذِهِ الكَلِمَة عُكَّازَة تَدْفعُ بها في نَحْر مَنْ كَفَّرَ البَلدَةَ المُمْتَنِعَةَ عَنْ تَوحِيدِ العِبَادَةِ والصَّفَاتِ، بَعدَ بُلوغِ الحُجَّةِ ووُضُوحِ المَحَجَّة) أهـ.

ُقلتُ: إنَّ الحُكَّامَ المُرتَدِّينَ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بجَهْلِ حَالِهم لِظُهُوِر ِردَّتِهِم وَوُضُوحِ ُكفِْرهِم البَوَاح، فكيفَ يَعْتَذِرُ أعوانُهُم وأنصارُهُم بالجَهلِ وَحَالهُم ظَاهِرٌ للعَيَان، فهؤلاءِ الحُكَّامُ المُرتدُّونَ قدْ حَكَمُوا بالدَّسَاتِير الوَضْعِيَّةِ والقوَانِينِ الكُفريَّةِ، ولمْ يَحْكُمُوا بشَِرعِ اللهِ، ونَحَّوا الشَّريعَةَ عَنْ كلِّ مَنَاحِي الحَيَاةِ وَأحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ كالرِّبَا والخَمِْر وسَائِر المُحَرَّمَاتِ وَحَرَّمُوا مَا أحَلَّ اللهُ كتَحِْريمِهِم للمُسلمِ بالإقامَةِ في البُلدَانِ التي يَحْكُمُونَها، وأعْلَنُوا حَرْبًَا لا هَوَادَةَ فيها على الإسلامِ وأهلِهِ وعلى الشَّريعَةِ وحَمَلَتِهَا وقَتَّلُوا العُلماءَ وشَنَقوا الدُّعَاةَ وزَجُّوا بشَبَابِ الإسلامِ المُتَمَسِّكِ بدِينِهِ في أقِبيَةِ السُجُونِ وعَذَّبُوهم عَذَابًَا يَعْجَزُ اللسَانُ عَنْ وَصْفِهِ والقَلمُ عَنْ تَسْطِيرهِ، وَوَالوا اليَهودَ والنَّصارى، وَفَتَحُوا لأمريكا وَحُلفَائِها مِنْ دُوَلِ الكُفِر الأورُبيَّةِ ِبلادَ الإسلامِ يَفْعَلونَ فيها مَا يَشَاؤونَ، وأمَدُّوُهُم ِبكَافَّةِ التَسْهِيلاتِ العَسْكَريَّةِ والأمنِيَّةِ والإسْتِخْبَارَاتِيَّةِ، وسَمَحُوا لأمريكا وحُلفَائِها بانْتِهَاكِ ِسيَادَةِ ِبلادِ المُسلمينَ، والهَيْمَنَة على المَوَانِيءِ البَحْريَّةِ والقوَاعِدِ الجَويَّةِ، ومَهَّدُوا السَبيلَ للغُزَاةِ مِنَ اليَهودِ والصَّليبيينَ بالسَّيْطَرَةِ على مَنَاِبعِ النِّفطِ وَرَهَنُوا ِبلادَ الإسلامِ بأيْدِي أبْنَاءِ القِرَدَةِ والخَنَاِزير، وَتَخَلُّوا عَنْ ُكلِّ وَاِجبَاتِ الدِّين، وَخَانُوا اللهَ ورسولَهُ والمُؤمنينَ، وَنَشَرُوا الفَسَادَ في رُبُوعِ الأرضِ الإسلامِيَّةِ وَمَكَّنُوا للمُفسِدِينَ في ُكلِّ المَجَالاتِ الحَيَويَّةِ - السِيَاِسيَّةِ والإقتِصَادِيَّةِ والعَسْكُريَّةِ والأمنِيَّةِ والتَربَويَّةِ والثَقَافِيَّةِ والعِلمِيَّةِ والإعْلاميَّةِ - وانْضَمُّوا إلى مَا يُعْرفُ بـ"مُكافَحَةِ الإرْهَابِ"تَحْتَ مَظَلَّةِ المَنْظُومَةِ الكُفريَّةِ التي تَتَزَعْمُها أمريكا وَتَعَاونُوا مَعَها لِمُطَارَدَةِ المُجَاهِدِينََِ في سبيلِ اللهِ، وإلقَاءُ القبْضِ عليهم وتَسْلِيمِهِم إلى أمريكا وغيرَ ذلكَ مِنَ الجَرَائِمِ الكَثيرةِ التي ارْتَكَبُوها في حَقِّ اللهِ ورسولِهِ وفي حَقِّ الدِّينَ الإسلاميِّ وَحَمَلتِهِ ودُعَاتِهِ.

فقومٌ بهذا الإجْرَامِ وَوُضُوحِ الكُفر والِردَّةِ مِنْهم، هلْ ُيْعقَلُ أنَّ مُسْلِمًَا عَاقِلًا بَالِغًَا يَجْهَلُ عَنْهم مَا ذَكَرْنَاهُ وغيرُهُ؟! وهلْ ُكفرُهُم الظَّاهِرُ وِردَّتُهُم البَيِّنِةِ مِنَ المَسَائِلِ التي يَخْفَى دَلِيْلهَا على المُسلمين؟! وهلْ حَالُ هؤلاءِ الحُكَّامِ المُرْتَدِّينَ مِمَّا يَسَعُ بَالِغًَا عَاقلًا جَهْلُهُ؟!

مَعَ أنَّ المَسَائِلَ التي خَالفُوا فيها شَرْعَ اللهِ مِنْ أصُولِ الدِّينِ والإيمانِ ومِمَّا يُعْلمُ مِنَ الدِّينِ بالضَّرُورَةِ كالحُكْمِ بغير مَا أنزلَ اللهُ وكمُوَالاتِهِم لليَهودِ والنَّصارى عَلانِيَةً مِنْ غيرِ خَفَاءٍ ولا ُشبْهَةٍ، والحاصلُ أنَّ أحَدًَا لا يُعْذَرُ جَزْمًَا بجَهْلِ حَالِ الحُكَّامِ المُرتَدِّينَ المُبَدِّلِينَ ِلشَرْعِ اللهِ، وَمَنْ تَعَذَّرَ بذلكَ كانَ مُقَصِّرًَا وَمُفَرِّطًَا في تَعَلُمِ مَا يَجبُ عليهِ تَعَلُمَهُ مِنْ مَسَائِلِ الإيمانِ والكُفر، وقدْ أوجَبَ اللهُ سُبْحَانه وتعالى عليه سُؤالُ أهلِ الذِكْرِ إنْ كانَ لا يَعْلم، بقولِهِ تعالى: {فاسْألوا أهلَ الذِكْرِ إنْ ُكنتمُ لا تَعْلَمُون} (النَّحل: 43) ، وقدْ شَاعَ في هذِهِ الأزمِنَةِ في كثيرٍ مِنْ ِبلادِ المُسلمينَ مَنْ قالَ ِبُكفرِ هؤلاءِ الحُكَّامِ وهذا يَكْفِي لِبُلوغِ الحُجَّةِ وِقيَامِ المَحَجَّةِ، وإنْ وُِجدَ المُخَالِفُ لذلكَ.

وقدْ يقولُ قَائِلٌ؛ إنَّ الجُنُودَ والعَسْكرَ المُنْضَمِّينَ إلى ُصفُوفِ جَيشِ الحُكَّامِ المُرتَدِّينَ قدْ يُعْذَرُونَ لكونِهِم يَرَونَ عُلَمَاءَ السُّوءِ يُصْبِغُونَ على هذِهِ الأنْظِمَةِ الكفريَّةِ بالشَّرعيَّةِ، ويَصِفُونَ هؤلاءِ الحُكَّامِ بالمُسلمينَ، وَيُفتُونَ بوُجُوبِ طَاعتِهِم لكونِهِم مِنْ أمرَاءِ المُسلمينَ الذينَ أمِرْنَا بالسَّمِعِ والطَّاعةِ لهم، ويَقولونَ إنَّ الخُرُوجَ عليهم لا يَجُوزُ وهُوَ مِنْ ِفعْلِ الخَوَارجِ ونَحْو ذلكَ مِنَ الإفكِ والبَاطِلِ الذي يَنْفُقُ في سُوقِ عََبيدِ الحُكَّامِ المُرتَدِّين.

فَنَقولُ: إنَّ وُجُودَ عُلماءِ السُّوءِ وإعْطَائِهِم المُسَوِّغَ الشَّرعيَّ للحُكَّامِ الذينَ يَحْكُمُونَ بغيرِ مَا أنزلَ اللهُ ليسَ مُسَوِّغًَا لأحَدٍ أنْ يَعْتَذِرَ بِهِ، لِوُجُودِ المُخَالفَ لِعُلمَاءِ السُّوءِ مِنَ العُلماءِ الرَّبَانِيينَ والدُّعاةِ الصَّادِقينَ الذينَ ُيقَرِّرُونَ دَائِمًَا ُكفرَ مَنْ لمْ يَحْكمْ بمَا أنْزَلَ اللهُ، ولا نَعْلمُ أنَّ مُسلمًَا الآنَ يَجْهَلُ حَقِيقةَ الحُكَّامِ المُبَدِّلِينَ لشَرعِ اللهِ، وَهُوَ يَرَى مُوَالاتَهُم لليَهودِ والنَّصارى ومُظَاهَرتَهُم للأمريكان على المُجَاهِدِينَ وكافةِ الحَرَكاتِ الإسلاميَّةِ، ومِنَ المعلومِ ضَرُورَةً مِنْ ِدينِ الإسلامِ أنَّ مُظاهَرةَ المُشركينَ على المُسلمينَ ُكفرٌ وِردَّةٌ عَنِ الدِّين، وهذا وَحدَهُ كَافٍ في تَبَيُّنِ حَالِ هؤلاءِ الحُكَّامِ ومَعرفةِ ِردَّتِهِم، فكيفَ إذا انْضَافَ إليه غيرُهُ مِنَ الخِيَانَةِ للهِ ولرسولِهِ وللمُؤمنينَ مَعَ أنَّ مَا وَقَعَ فيه هؤلاءِ الحُكَّامِ المُرتَدِّينَ مِمَّا لا يَسَعُ أحَدًَا جَهْلُهُ كَائِنًَا مَنْ كانَ إذا كانَ بَالِغًَا غيرَ مَغْلوبٍ على عَقلِهِ.

ومِنَ المَعلومِ أنَّ أتِّبَاعَ أئِمَّةِ الضَّلالِ ليسَ مِمَّا يُعْذَرُ بهِ الإنسَانُ، لِبُلوغِ الحُجَّةِ وقِيَامِهَا، إذ لا يُوجَدُ مَنْ يُضَللِ النَّاسَ إلاَّ وُِجدَ مَنْ يُخَالِفَهُ مِنْ أهلِ الحَقِّ، فوُجُودُ أئِمَّةِ الضَّلالِ ليسَ بمَانِعٍ لِوُجُودِ مَنْ هُوَ قَائِمٌ للهِ ِبُحجَّةٍ، ولذلكَ لمْ يَعْذُرَ اللهُ سبحانه وتعالى المُتَّبِعِينَ لأرْبَابِهِم وأسْيَادِهِم وُكبَرَائِهِم، فقالَ تعالى: {إذ تَبَرَّأ الذينَ اتُّبِعُوا مِنَ الذينَ اتَّبَعُوا ورَأوا العَذّابَ وَتَقَطَّعْتْ بِهِمُ الأسْبَابُ * وقالَ الذينَ اتَّبَعُوا لو أنَّ لنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنْهم كَمَا تَبَرَّأوا مِنَّا كذلكَ يُريهِمُ اللهُ أعْمَالَهُم حَسَرَاتٍ عليهم ومَا هُم بخَاِرِجينَ مِنَ النَّار} (البقرة: 166 - 167) ، وقالَ تعالى مُسَفِّهًَا الكُفَّارَ في اتِّبَاعِهِم ِلمَا كانَ عليه آبَاؤهُم وإعْرَاضَهُم عَنْ مَا أنْزَلَ اللهُ مِنَ الحَقِّ والصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، فقالَ: {وإذا ِقيْلَ لهُمُ اتَّبِعُوا مَا أنزَلَ اللهُ قَالوا بلْ نَتَّبِعُ مَا ألفَيْنَا عليهِ آبَاءَنَا أوَلو كانَ آبَاؤُهُم لا يَعْقِلونَ شَيئًَا ولا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170) ، وقالَ تعالى: {وإذا ِقيْلَ لَهُم تَعَالَوا إلى مَا أنزَلَ اللهُ وإلى الرَّسولِ قَالوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عليهِ آبَاءَنَا أوَلَو كانَ آبَاؤُهُم لا يَعْلَمُونَ شيئًَا ولا يَهْتَدُونَ} (المائدة: 104) ، وقدْ لَعَنَ اللهُ في القرآنِ الكَريمِ الذينَ أطَاعُوا ُكبَرَاءَهُمُ الكافرينَ وسَمَّاهُمُ اللهُ بالكافرينَ، فقالَ: {إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافرينَ وَأعَدَّ لَهُم سَعِيرًَا * خَالِدِينَ فِيها أبَدًَا لا يَجِدُونَ وَلِيًَّا ولا نَصِيْرًَا * يَوَمَ ُتقَلَّبُ ُوجُوهُهُم في النَّاِر يَقولُونَ يَاليْتَنَا أطعْنَا اللهَ وَأطعْنَا الرَّسولا * وَقالوا رَبَّنَا إنَّا أطعْنَا سَادَتَنَا وُكبَرَاءَنَا فَأضَلُّونَا السَّبيْلا * رَبَّنَا ءَآتِهِم ِضعْفَينِ مِنَ العَذَابِ وَالعَنْهُم لَعْنًَا كَبيرًَا} (الأحزاب: 64 - 68) ، ولمْ يَقبَل اللهُ عُذرَ المُسْتَضْعَفِينَ ِحيْنَ أنْحَوا باللائِمَةِ على المُسْتَكْبرينَ بلْ عَامَلَهُم اللهُ جَمِيعًَا بمَا يَسْتَحِقونَ مِنْ عذابِ الكافرينَ، فقالَ تعالى: {وَلو تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ مَوْقوفونَ عندَ رَبِهِم يَرْجعُ بَعْضُهُم إلى بَعْضٍ القولَ يَقولُ الذينَ اسْتُضْعِفوا للذينَ اسْتَكْبَرُوا لولا أنْتم لَكُنَّا مُؤمنينَ * قالَ الذينَ اسْتَكْبَرُوا للذينَ اسْتُضْعِفوا أنَحْنُ صَدَدْنَاكم عَنِ الهُدَى بعدَ إذ جَاءَكم بلْ ُكنتم مُجْرمِينَ * وقالَ الذينَ اسْتُضْعِفوا للذينَ اسْتَكْبَرُوا بلْ مَكْرُ الليلِ والنَّهاِر إذ تَأمُرُونَنَا أنْ نَّكفرُ باللهِ ونَجْعَلَ لهُ أنْدَادًَا وأسَرُّوا النَّدَامَةَ لمَّا رَأوا العذابَ وَجَعَلنَا الأغْلالَ في أعْنَاقِ الذينَ كَفَرُوا هلْ ُيجْزَونَ إلاَّ مَا كانوا يَعْمَلون} (سبأ: 31 - 33) .

ومَا مِنْ صَاحِبِ حَقٍّ يَدْعُوا إليهِ إلاَّ كانَ مِنَ المُجْرمِينَ مَنْ يُسَفِّهُُهُ ويُضَلِلُهُ هُوَ وأتبَاعَهُ وَيَصُدَّ النَّاسَ عَنْ اتِّبَاعِ الحّقِّ وأهَلِهِ، ولذلكَ كانَ المُضَلِلُونَ في زَمَنِ الأنْبِيَاءِ كثيرٌ، ولمْ يكنْ ذلكَ مَانِعًَا مِنْ ِقيَامِ الحُجَّةِ وَبُلوغِهَا وَوُضُوحِ المَحَجَّةِ وَبَيَانِهَا فقالَ تعالى: {يَا حَسْرَةً على العِبَادِ مَا يَأتِيْهِم مِنْ رسولٍ إلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزؤُنَ} (يس: 30) ، وقالَ تعالى: {إنَّا كذلكَ نَفْعَلُ بالمُجْرمِينَ * إنَّهم كانُوا إذا ِقيْلَ لهم لا إلهَ إلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ * ويَقولونَ أئِنَّا لتَاِركُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون} (الصافات: 34 - 36) ، وقالَ تعالى: {كذلكَ مَا أتَى الذينَ مِنْ قَبْلِهم مِنْ رسولٍ إلاَّ قالوا سَاحِرٌ أو مَجْنُونٌ} (الذاريات: 52) .

فوُجُودُ الأئِمَّةِ المُضِلينَ لا يكونُ مَانِعًَا مِنْ تَكْفِير أنصَاِر المُرتَدِّينَ وأعَوانِهِم لِبُلوغِ الحُجَّةِ على النَّاسِ وِقيَامِهَا، لأنَّه مَا ظَهَرَ في الأرضِ قَائِمٌ للهِ بحُجَّةِ إلاَّ ظَهَرَ لهُ مَنْ يُخَالِفه ويُضَللِ النَّاسَ ويَصُدَّهُم عَنِ الحَقَِّ وأهلِهِ، قالَ اللهُ تعالى: {وكذلكَ جَعَلنَا لِكلِّ نَبيٍّ عَدُوًَّا شَيَاطِينَ الإنسِ والجنِّ يُوحِي بَعْضُهُم إلى بَعضٍ ُزخْرُفَ القولِ ُغرُورًَا ولو شَاءَ ربُّكَ مَا فَعَلوهُ فَذََرْهُم ومَا يَفتَرُونَ وَلِتَصْغَى إليهِ أفئِدَةُ الذينَ لا يُؤمنونَ بالآخرةِ ولِيَرْضُوهُ ولِيَقتَرفوا مَا هُم مُقتَِرفونَ} (الأنعام: 112 - 113) ، وقالَ تعالى: {وكذلكَ جَعَلنَا في ُكلِّ قرْيَةٍ أكَاِبرَ مُجْرمِيْهَا لِيَمْكُرُوا فِيها ومَا يَمْكُرُونَ إلاَّ بأنْفُسِهِم ومَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام: 123) ، وقالَ تعالى: {وكذلكَ جَعَلنَا ِلكلِّ نَبيٍّ عَدُوًَّا مِنَ المُجْرمِينَ وَكَفَى ِبرَبِّكَ هَادِيًَا ونَصِيرًَا} (الفرقان: 31) .

والمُهِمُ أنَّه إذا وُِجدَ مَنْ يُبَيِّنَ ُكفرَ هؤلاءِ الحُكَّامِ المُبَدِّلِينَ ِلشَرْعِ اللهِ والمُوَالِينَ لليَهودِ والنَّصارى والمُظَاهِرينَ للمُشركينَ على المُسلمينَ فقدْ قَامَتْ الحُجَّة البَلاغِيَّة وإنْ ُوِجدَ مَنْ يُخَالِفُ ذلكَ مِنْ عُلماءِ السُّوءِ وأئِمَّةِ الضَّلالِ، والواجبُ على مَنْ بَلَغَتُهُ الحُجَّة أنْ يَسْعَى إلى فَهْمِهِ وَمَعْرفَتِهِ ولا يَتَّبِعُ أئِمَّةِ الضَّلالِ وعُلماءِ السُّوءِ؛ واتِّبَاعَهُم لا يكونُ حُجَّةً للجَاهِلِ ولا يُقبَلُ الإعْتِذَارُ بِهِ لإمْكَانِ دَفعَهُ والسَّعِيِّ إلى تَعَلُمِهِ والعَمَلِ بِهِ، فإذا قَصَّرَ المُكَلفُ في ذلكَ وَفَرَّطَ فيِهِ فلا ُيعْذَرُ البَتَّة، لأنَّ ذلكَ مِمَّا لا يَسَعُ عَاقلًا بَالِغًَا جَهْلهُ وباللهِ نَسْتَعِين.

والحاصلُ:

أنَّ جُنُودَ الكَفَرةِ والظَّلَمَةِ حُكْمُهُم كَحُكْمِ رُؤُوسِهِم، ودَلِيْلهُ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى عَامَلَ جُنْدَ فِرعَونَ مُعَامَلةَ فَِرعونَ نَفسَه حيثُ أهْلَكَهُ اللهُ هُوَ وجُنْدَهُ، فقالَ تعالى: {وقالَ فِرعونُ يَا أيُّها المَلأ مَا عَلِمْتُ لكم مِنْ إلهٍ غيري فأوْقِدْ لي يَا هَامَانُ على الطِّينِ فاجْعَل لي صَرْحًَا لَعَلي أطَّلِعُ إلى إلهِ مُوسَى وإنَّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبينَ * واسْتَكْبَرَ هُوَ وجُنُودُهُ في الأرضِ بغَير الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إليْنَا لا يُرْجَعُونَ * فَأخَذنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذنَاهُم في اليَمِّ فانْظرْ كيفَ كانَ عَاقِبَة الظَّالمينَ * وجَعَلنَاهُم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّاِر وَيَومَ القِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ * وأتْبَعْنَاهُم في هذِهِ الدُّنِيَا لَعْنَةً وَيَومَ القِيَامَةِ هُم مِنَ المَقبُوحِينَ} (القصص: 38 - 42) ، وقالَ تعالى: {وَنُِريَ فِرعونَ وَهَامانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كانُوا يَحْذَرُونَ} (القصص: 6) ، وقالَ تعالى: {إنَّ فِرعونَ وَهَامانَ وجُنُودَهُمَا كانُوا خَاطِئِينَ} (القصص: 8) .

وقالَ تعالى: {وَفِرعونَ ذِي الأوْتَادِ} (الفجر: 10) ، وقدْ فَسَّرَ المُفَسِّرُونَ الأوْتَادَ بالجُنُودِ.

فقالَ الإمامُ ابن جَريرٍ الطَّبَريُّ في تَفسِيرهِ [86] : (واخْتَلَفَ أهلُ التَّأويلِ في مَعْنَى قولِهِ ذِي الأوْتَادِ، وَلِمَ ِقيْلَ لهُ ذلكَ، فقالَ بَعْضُهُم مَعْنَى ذلكَ ذِي الجُنُودِ الذينَ يُقَوُّوُنَ لهُ أمَرَهُ وقالوا الأوْتَادَ في هذا المَوْضِعِ الجُنُودِ ... ُثمَّ ذَكَرَ مَنْ قالَ ذلكَ عَنْ ابن عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: وفِرعونَ ذِي الأوْتَادِ، قالَ الأوْتَادَ الجُنُودَ الذينَ يَشُدُّونَ لهُ أمْرَهُ ... ) أهـ.

وِمنَ المُفَسِّرينَ الذينَ ذَكَرُوا أنَّ الأوْتَادَ هُم جُنُودُ فِرعونَ الذينَ بِهِم ثَبَّتَ مُلكَهُ، إبن عَطِيَّة الأنْدَلسِيّ في"المُحَرّر الوَجيز" [87] .

والقرُطبيّ في تفسيره [88] ، فقالَ: (أي الجُنُودِ والعَسَاكِر والجُمُوعِ والجُيُوشِ التي تَشُدُّ مُلكَهُ، قالَهُ ابن عبَّاس) أهـ.

وانْظرْ أيضًا تَفسِيرَ ابن كثيرٍ [89] ، و"فتح القدير"للشَّوكانيّ [90] ، والرَازي في تفسيره [91] ، والسَّعديّ في"تيسير الكريم الرحمن" [92] .

وِقيلَ: المُرَادُ أوْتَادُ أخْبِيَةِ عَسَاكِرِهِ وُذكِرَتْ لِكَثرَتِهَا وَدَلالتِهَا على غَزَوَاتِهِ وَطَوَافِهِ في البِلادِ، قالَهُ ابن عبَّاسٍ، ومِنْه قولُ الأسْودُ بن يَعفر: (في ِظلِّ مُلكٍ ثَاِبتِ الأوْتَادِ) [93] .

ُقلتُ: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابنُ عَطِيَّة هُوَ عَجْزُ بَيْتٍ قالَهُ الأسْوَدُ بن يَعفر وَتَمَامُهُ:

ولقدْ غَنُوا فيها بأنْعَمِ عِيشَةٍ

فهذِهِ الأدِلَّة تَدُلُ على أنَّ جُنُودَ الكُفَّار والمُرتَدِّينَ حُكْمُهُم حُكْمَ رُؤُوسِهِم وَقَادَتِهِم لاشتِرَاكِهِم جَميعًَا في الكفر والظلمِ والإفسَادِ، ولأنَّ الجُنُودَ هُم السَّبَبُ في تَثبِيْتِ حُكمِ الحَاكِمِ الكَافِر، وَهُم أعْوَانَهُ وأنصَارَهُ في الكُفرِ والظلمِ والإفسَادِ، لذلكَ كَمَا أنَّهم شَارَكُوهُ في ُكفرهِ وُظلمِهِ، فهُم ُشرَكَاءُ مَعَهُ في إهْلاكِهِ وعَذَابِهِ، وَحُكمُهُم جَمِيعًَا أنَّهُم ُكفَّارُ، وهذا الحُكمُ يَسِْري أيضًا على جُنُودِ الحُكَّامِ المُبَدِّلِينَ لِشَرعِ اللهِ، وباللهِ تعالى نَتَأيَّدْ.

[82] ص58

[83] ص357

[84] مَجمُوعة مُؤلفَاتِ الشَّيخِ محمَّد بن عبد الوهاب (3: 11)

[92] ص 854

[93] المُحَرّر الوجيز لابن عَطِيَّة (15: 438)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت