الصفحة 14 من 15

مَا هِيَ الحَالة التي يَجُوزُ فيها الدُّخُولُ في جَيشِ الحَاكِمِ الكَافِرِ والإنْخِراطِ في ُصفُوفِ تَشْكِيْلاتِهِ العَسْكُريَّةِ؟

الحَالة الوَحِيْدَةُ التي يَجُوزُ فيها الإنْخِراطُ في ُصفُوفِ جَيشِ الحَاكِمِ المُرتَّدِ أو الإنْضِمَامُ إلى ُصفُوفِ تَشْكِيلاتِهِ العَسْكَريَّةِ هِيَ مَا إذا كانَ المُسلمُ يَنْوي قَلَبَ النِّظامَ المُبَدِّلَ لِشَرعِ اللهِ أو الإطَاحَةِ بِهِ، أو اغْتِيَالِ حَاكِمِهِ وقَتْلِهِ أو قَتلَ أركانِ مُلكِهِ ونَحْو ذلكَ مِنَ المَقَاصِدِ الشَّرعِيَّةِ؛ شَريْطَةَ أنْ يكونَ مَنْ يَفعَلُ ذلكَ قَويًَّا في إيمَانِهِ وَاثِقًا باللهِ رَاسِخًَا في عَقِيْدَتِهِ، لا يَتَأثرُ بالمُؤَثِرَاتِ الخَارِجيَّةِ للنِّظامِ المُرتَّدِ مِنْ إغْرَائِهِ بالمَالِ وَنَحْو ذلكَ؛ وأنْ يَكونَ ذلكَ الفِعْلُ الذي يَقومُ بِهِ مُحَقِقًا للمَصْلَحَةِ الشَّرعِيَّةِ؛ لأنَّ الشَّريعَةَ الإسلاميَّةَ إنَّمَا جَاءَتْ لِجَلبِ المَصَالِحِ وَتَحْقِيْقِهَا وَدَرْءِ المَفَاسِدِ أو تَقلِيْلِهَا.

وهذا مِثلُ مَا تَفعَلهُ بَعضُ الجَمَاعَاتِ الإسْلاميَّةِ التي تَرَى الإنْخِراطَ في سِلكِ جَيْشِ وَأمْنِ النِّظامِ الكَافِر لِقَلبِهِ والإطَاحَةِ بِهِ؛ مِثلُ مَا فَعَلَتهُ"الجَمَاعة الإسلامِيَّة"بمِصْرَ حِينَ نَفَّذَ نَفَرٌ مِنَ المُجَاهِدِينَ بقِيَادَةِ خالدِ الإسْلامْبُولي رحِمَه اللهُ تعالى هُوَ وإخْوُانُهُ إغْتِيَالِ طَاغِيَةِ مِصْرَ أنْوَر السَّادَات، وهذا الفِعْلُ جَائِزٌ وإنْ أدَّى إلى التَّظَاهُر ببَعضِ الأقوَالِ والأفعَالِ الكفريَّةِ، التي يَقومُ بهَا المُسلمُ ُتقيَةً لِقَصْدِ إنْجَاحِ خِطَّتِهِ وَتَنفِيْذِ مَهَامِهِ.

ودَلِيْلُهُ قِصَّة محمَّد بن مَسْلمة الأنصَاريّ رضيَ اللهُ عنه في قَتْلِهِ لكعبِ بن الأشْرَف اليَهوديّ، وتَظَاهُرهِ له بأنَّه مَعَه، وقدْ كانَ محمَّد بن مَسْلمة قدْ اسْتَأذَنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أنْ يقولَ مَا يَبْدُو لهُ لِتَسْهِيْلِ إنْجَازِ مَهَمَّتِهِ التي لأجْلِهَا انْتُدِبَ وهِيَ قَتلُ عَدُّوَ اللهِ كعب بن الأشرف اليَهوديّ لعَنَهُ الله؛ فعَنْ جابرٍ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: (مَنْ لِكعْبِ بن الأشرفِ؟) ، فقالَ محمَّد بن مَسْلمة: أتُحِبُّ أنْ أقتُلَهُ؟ قالَ: (نَعَمْ) ، قالَ: فأذَنْ لي فأقولَ، قالَ: (قدْ فَعَلتْ) [94] ، وعِندَ مُسلمٍ؛ قالَ: ائذَنْ لي فَلأقلْ! قالَ: (قلْ!) .

وعَنْ جابر بن عبد الله رضيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: (مَنْ لِكعْبِ بن الأشْرفِ فإنَّه قدْ آذَى اللهَ ورسولَهُ؟) ، قالَ محمَّد بن مَسْلمَة: أتُحِبُّ أنْ أقتُلَهُ يَا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (نَعَمْ) ، قالَ: فأتَاهُ فقالَ: إنَّ هذا - يَعْنِي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قدْ عَنَّانَا وسَألنَا الصَّدقة. قالَ: وأيضًا؟! واللهِ لتَمُلنَّهُ. قالَ: فإنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أنْ نَدَعَهُ حتَّى نَنْظرَ إلى مَا يَصِيْرَ أمْرُهُ. قالَ: فَلمْ يَزَلْ يُكَلمَهُ حتَّى اسْتَمْكنَ مِنْهُ فَقَتَله [95] .

قالَ الحَافِظ في"الفتح" [96] : (قَولُهُم"عَنَّانَا"؛ أي كَلَّفَنَا بالأوَامِرِ والنَّوَاهِي، وقولُهُم"سَألَنَا الصَّدَقة"؛ أي طَلَبَهَا مِنَّا لِيَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا) .

ُقلتُ: وهذا مِنْ بَابِ التَّعْريضِ وفي الحَدِيثِ دَلالة على إبَاحَةِ حَقِيْقةِ الكَذِبِ في الحَربِ وإنْ كانَ التَّعْريضُ أولَى وفيهِ جَوَازُ اغْتِيَالِ رُؤُوسِ الكُفر والِردَّةِ وَخِدَاعَهُم.

ومِنَ الأدِلةِ على ذلكَ:

مَا أخْرَجَهُ أحمد وابن ِحبَّان، مِنْ حَديثِ أنسٍ في قِصَّةِ الحَجَّاجِ بن علاط الذي أخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ في اسْتِئذَانِهِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يقولَ عنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلحَتِهِ في اسْتِخلاصِ مَالَهُ مِنْ أهلِ مَكَّةَ، وَأذِنَ لَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإخْبَارُهُ لأهلِ مَكَّةَ؛ أنَّ أهلَ خَيْبَرَ هَزَمُوا المُسلمينَ وغيرَ ذلكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌٌ فيهِ [97] .

ومِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ في هذا الأمِْر أيضًا؛ قِصَّة فَيْرُوزَ الدَّيلمِيِّ وَمَنْ كانُوا مَعَهُ مِنَ المُؤمنينَ في تَظَاهُرهِم للأسْوَدِ العَنْسِيِّ الكَذَّابِ أنَّهُم مَعَهُ في دَعْوَتِهِ، وإنَّمَا فَعَلوا ذلكَ حِيْلةًً وَخِدَاعًَا لَهُ لِيَفْتِكُوا بِهِ بَعدَ أنْ جَاءَهُم كتابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمَرَهُم بمُقَاتَلِةِ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ وَمُصَاوَلتِهِ وكانَ الذي نَقَلَ الكتابَ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى فَيْرُوز الدَّيْلميِّ وَمَنْ مَعَهْ مِنَ المُسلمينَ، رَجُلٌ يُقالُ لهُ؛ وَبْرَ بن يَحْنَس الدَّيْلميُّ.

والقِصَّة بتَمَامِهَا في"البِدَايَةِ والنِّهايَّةِ"لابن كثير [98] عَنْ سَيفِ بن عُمر التَّمِيميّ قالَ: (وَبَعَثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كتَابَهُ، حتَّى بَلَغَهُ خَبَرَ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ مَعَ رَجُلٍ يُقالُ لهُ؛ وَبْرُ بن يَحْنس الدَّيْلميُّ، يَأمُرَ المُسلمينَ الذينَ هُنَاكَ بمُقَاتَلةِ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ ومُصَاوَلتِهِ، وقامَ مُعَاذ بن جبلٍ بهذا الكِتابِ أتَمَّ ِقيامٍ، وكانَ قدْ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِنَ السّكونِ يُقالُ لهَا: زَمْلة، فَحَزَّبَتْ عليهِ السّكونَ لِصَبْرهِ ِفيِهِم، وقامُوا مَعَهُ في ذلكَ، وَبَلَّغُوا هذا الكِتَابَ إلى عُمَّالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وَمَنْ قَدَرُوا عليه مِنَ النَّاس، واتَّفَقَ اجْتِمَاعُهُم بقَيْس بن عبد يغوث أمِيْرُ الجُنْدِ - وكانَ قدْ غَضِبَ على الأسْوَدِ، واسْتَخَفَّ بِهِ، وَهَمَّ بقَتِلِهِ - وكذلكَ كانَ أمْرُ فيرُوزَ الدَّيْلميَّ، قدْ ضَعُفَ عِنْدَهُ أيضًا، وكَذا دَاذَوَيْهِ، فلمَّا أعْلَمَ وَبْرُ بن يَحْنَس قيْسَ بن عبد يغوث، وَهُوَ قيْسُ بن مَكْشُوح، كانَ كأنَّمَا نَزَلوا عليهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَوَافَقَهُم على الفَتكِ بالأسْوَدِ وَتَوَافَقَ المُسلمونَ على ذلكَ، وَتَعَاقَدُوا عليه، فلمَّا أيْقَنَ ذلكَ في البَاطِنِ اطْلَعَ شَيْطَانُ الأسْوَدِ للأسْوَدِ على شَيءٍ مِنْ ذلكَ، فَدَعَا قيْسَ بن مَكْشُوح، فقالَ لهُ: يَا قيْسُ مَا يَقولُ هذا؟ قالَ: وَمَا يقولُ؟ قالَ: يقولُ:"عَمَدْتَّ إلى قيْسٍ فأكْرَمْتَهُ حتَّى إذا دَخَلَ مِنْكَ ُكلَّ مَدْخَلٍ، وَصَارَ في العِزِّ مِثلكَ، مَالَ مَيْلَ عَدُوِّكَ، وحَاوَلَ مُلككَ، وَأضْمَرَ على الغَدْر"، إنَّه يقولُ:"يَا أسْوَدُ يَا أسْوَدُ يَا سَوْآهُ يَا سَوْآهُ"، فَطُفْ بِهِ وَخُذ مِنْ قيْسٍ أعْلاهُ، وإلاَّ سَلَبَكَ وَقَطَفَ رَقَبَتِكَ. فقالَ لهُ قيْسٌ وَحَلَفَ لهُ فَكَذَب:"وَذِي الخِمَار، لأنْتَ أعْظمُ في نَفسِي وأجَلُّ عِندِي مِنَ أنْ أحَدِّثُ بكَ نَفسِي"، فقالَ لهُ الأسْوَدُ: مَا أخَالكَ تَكْذِبُ المَلِكَ فقدْ صَدَّقَ المَلِكُ وَعَرَفَ الآنَ أنَّكَ تَائِبٌ عَمَّا اطَّلَعَ عليكَ مِنْكَ، ُثمَّ خَرَجَ قيْسٌ مِنْ بَينِ يَدَيهِ فَجَاءَ إلى أصْحَابِهِ فَيْرُوزَ وَ دَاذَوَيه، وأخْبَرَهُم بمَا قالَ لهُ وَرَدَّ عليهِ، فقالوا: إنَّا ُكلَّنَا على حَذَرٍ، فمَا الرَّأيُ؟ فَبَيْنَمَا هُم يَشْتَورُونَ إذ جَاءَهُم رسُولُهُ فأحْضَرَهُم بَينَ يَدَيِهِ، فقالَ: ألمْ أشَرِّفَكُم على قَومِكُم؟ قالوا: بَلى، قالَ: فمَاذا بَلَغَنٍي عَنْكم؟، فقالوا: أقِلْنَا مَرَّتِنَا هذِهِ، فقالَ: لا يَبْلغْنِي عَنْكم فأقِيْلُكُم، قالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ ولمْ نَكُنْ، وَهُوَ في ارْتِيَابٍ مِنْ أمِْرنَا، وَنَحْنُ على خَطَرٍ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ في ذلكَ إذ جَاءَتْنَا ُكتُبٌ مِنْ عَامِر بن شهر، أمِيرُ هَمْدَان، وذِي ظليم، وذِي كلاع، وغيرهِم مِنْ أمَرَاءِ اليَمَن، يَبْذلونَ لنَا الطَّاعةَ والنَّصرَ، على مُخَالفِةِ الأسْوَدِ، وذلكَ ِحينَ جَاءَهُم كتابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَحُثهُم على مُصَاوَلةِ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ، فكَتَبْنَا إليهِم أنْ لا يُحْدِثوا شَيئًَا حتَّى نُبْرمُ الأمْرَ، قالَ قيْسٌ: فَدَخَلتُ على امْرَأتِهِ ازاذ فقلتُ: يَا ابْنَة عَمِّي قدْ عَرَفتِ بَلاءَ هذا الرجلِ عِندَ قومِكِ، قَتَلَ زَوْجَكِ، وَطَأطَأ في قَوْمِكِ القَتلَ، وَفَضَحَ النِّسَاءَ، فهلْ عِنْدَكِ مَمْالأة عليه؟ قالتْ: على أيِّ أمْرٍ؟ ُقلتُ: إخْرَاجُهُ، قالتْ: أو قَتْلُهُ، ُقلتُ: أو قَتْلُهُ، قالتْ: نَعَمْ، واللهِ مَا خَلَقَ اللهُ شَخْصًَا هُوَ أبْغَضُ إليَّ مِنْهُ، فمَا يَقومُ للهِ على حَقٍّ ولا يَنْتَهي لَهُ عَنْ حُرْمَةٍ؛ فإذا عَزَمْتُم أخْبرُونِي أعْلِمْكُم بمَا في هذا الأمْر، قالَ: فأخْرُجُ فإذا فَيْرُوزَ ودَاذَوَيه، يَنْتَظِرَانِي يُريْدُونَ أنْ يُنَاهِضُوهُ، فمَا اسْتَقَرَّ اجْتِمَاعُهُ بهِمَا حتَّى بَعَثَ إليهِ الأسْوَدُ، فَدَخَلَ في عَشَرَةٍ مِنْ قومِهِ، فقالَ: ألمْ أخْبِرُكَ بالحَقِّ وَتُخْبِرَنِي بالكَذَابةِ؟ إنَّه يقولُ: يَا سَوْأةُ يَا سَوْأةُ، إنْ لمْ تَقطَعْ مِنْ قيْسٍ يَدَهُ يَقطَعُ رَقَبَتَكَ العُليَا، حتَّى ظَنَّ قيْسٌ أنَّهُ قَاتِلُهُ، فقالَ: إنَّه ليسَ مِنَ الحَقِّ، أنْ أهْلَكَ وَأنْتَ رسولُ اللهِ، فَقَتلِيْ أحَبُّ إليَّ مِنْ مَوْتَاتٍ أمُوْتْهَا ُكلَّ يَوْمٍ، فَرَقَّ لَهُ وَأمَرَهُ بالإنْصِرَافِ، فَخَرَجَ إلى أصْحَابِهِ فقالَ: اعْمَلوا عَمَلَكُم، فَبَيْنَمَا هُم ُوُقوفٌ بالبَابِ يَشْتَورُونَ، إذ خَرَجَ الأسْوَدُ عليهم وقدْ جُمِعَ لهُ مَائَةً مَا بَينَ بَقَرَةٍ وبَعِيْرٍ، فقامَ وَخَطَّ خَطًَّا وَأُقِيْمَتْ مِنْ وَرَائِهِ، وَقامَ دُوْنَهَا، فَنَحَرَهَا، غيرَ مُحْبَسَةٍ ولا مُعْقلَةٍ، مَا يَقتَحِمُ الخَطَّ مِنْها شَيءٌ، فَجَالتْ إلى أنْ زَهُقتْ أرْوَاحُهَا، قالَ قيْسٌ: فمَا رَأيتُ أمْرًَا كانَ أفظَعُ مِنْهُ، ولا يَوْمًَا أوْحَشُ مِنْهُ، ُثمَّ قالَ الأسْوَدُ: أحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ؟ لقدْ هَمَمْتُ أنْ أنْحَرَكَ فألحِقَكَ بهذِهِ البَهِيْمَةِ، وَأبْدَى لهُ الحَرْبَةَ، فقالَ لهُ فَيْرُوزُ: اخْتَرْتَنَا لِصِهْركَ، وَفَضَّلتَنَا على الأنْبَاءِ، فلو لمْ تكنْ نَبِيًَّا مَا بُعِثَ نَصِيْبُنَا مِنْكَ بشَيءٍ، فكيفَ وقدْ اجْتَمَعَ لنَا ِبكَ أمَرُ الآخِرَةِ والدُّنيَا؟ فلا تَقبَلْ عَلينَا أمَثَالَ مَا يَبْلغُكَ، فأنَا بحَيثُ ُتحِبُّ، فَرَضِيَ عَنْهُ وَأمَرَهُ ِبقَسْمِ ُلحُومِ ِتلكَ الأنْعَامُ فَفَرَّقهَا فَيْرُوزُ في أهلِ صَنْعَاءَ، ُثمَّ أسْرَعَ اللحَاقَ بهِ، فإذا رَجُلٌ يُحَرِّضُهُ على فَيْرُوزَ وَيَسْعَى إليهِ فيِهِ، وَاسْتَمَعَ لهُ فَيْرُوزُ، فإذا الأسْوَدُ يقولُ: أنَا قَاتِلُهُ غَدًَا وَأصْحَابُُهُ، فَاغْدُ عَلَيَّ بِهِ، ُثمَّ التَفَتَ فإذا فَيْرُوزُ فقالَ: مَهْ، فأخْبَرَهُ فَيْرُوزُ بمَا صَنَعَ مِنْ قَسْمِ ذلكَ اللحْم، فَدَخَلَ الأسْوَدُ دَارَهُ، وَرَجَعَ فَيْرُوزُ إلى أصْحَابِهِ فأعْلَمَهُم بمَا سَمِعَ وبمَا قالَ وَِقيلَ لهُ، فاجْتَمَعَ رَأيُهُم على أنْ عَاوَدُوا المَرْأةَ في أمْرهِ، فَدَخَلَ أحَدُهُم - وهُوَ فَيْرُوزُ - إليهَا فقالتْ: إنَّه ليسَ مِنَ الدَّاِر بَيْتٌ إلاَّ والحَرَسُ مُحِيْطُونَ بِهِ، غيرَ هذا البيتِ، فإنَّ ظَهْرَهُ إلى مَكانِ كذا وكذا مِنَ الطَّريق، فإذا أمْسَيْتُمْ فانْقَلِبُوا عليهِ مِنْ دُونِ الحَرَس، وليسَ مِنْ دُونِ قَتْلِِهِ شَيءٌ، وإنَّي سَأضَعُ في البيتِ سِرَاجًَا وَسِلاحًَا، فلمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا تَلقَّاهُ الأسْوَدُ فقالَ لهُ: مَا أدْخَلكَ على أهْلِي؟ وَوَجَأ رَأسَهُ، وكانَ الأسْوَدُ شَدِيدًَا، فَصَاحَتْ المَرْأةُ فأدْهَشَتهُ عَنْهُ، وَلولا ذلكَ لقَتَلَهُ، وقالتْ: ابنُ عَمِّي جَاءَنِي زَائِرًَا فقالَ: اسْكُتِي لا أبَالكِ، قدْ وَهَبْتُهُ لكِ، فَخَرَجَ على أصْحَابِهِ فقالَ: النَّجَاءُ النَّجَاءُ، وَأخْبَرَهُم الخَبَرَ، فَحَارُوا ماذا يَصْنَعُونَ؟ فبَعَثتْ المَرْأةُ إليهم تقولُ لهم: لا تَنْثَنُوا عمَّا ُكنتمُ عَاِزمَِينَ عليه، فَدَخَلَ عليها فَيْرُوزُ الدَّيلميُّ فاسْتَثبَتَ مِنْها الخَبَرَ، ودَخَلوا إلى ذلكَ البيتِ فنَقَبُوا مِنْ دَاخِلِهِ بَطَائِنَ لِيَهُونَ عليهم النَّقبُ مِنْ خَارج، ُثمَّ جَلَسَ عِنْدَهَا جَهْرَةً كالزَّائِر، فدَخَلَ الأسْوَدُ فقالَ: ومَا هذا؟ فقالتْ: إنَّه أخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وهُوَ ابنُ عَمِّيَ، فنَهَرَهُ وَأخْرَجَهُ، فرَجَعَ إلى أصْحَابِهِ فلمَّا كانَ الليلُ نَقَبُوا ذلكَ البيتَ فدَخَلوا فوَجَدُوا فيهِ سِرَاجًَا تحتَ جَفنَةٍ فتَقَدَّمَ إليهِ فيْرُوزُ الدَّيْلمِيُّ والأسْوَدُ نَائِمٌ على فِرَاشٍ مِنْ حَريرٍ، قدْ غَِرقَ رَأسُهُ في جَسَدِهِ، وَهُوَ سَكْرَانٌ يَغِطّ، والمَرْأةُ عِنْدَهُ، فلمَّا قامَ فيْرُوزُ على البابِ أجْلسَهُ شَيْطَانُهُ وتَكَلَّمَ على لِسَانِهِ - وَهُوَ مَعَ ذلكَ يَغُطّ - فقالَ: مَا ليَ ومَا لكَ يَا فيْرُوزُ؟ فخَشِيَ إنْ رَجَعَ يَهْلَكَ وتَهْلَكَ المَرْأة، فعَاجَلَهُ وخَالطَهُ وهُوَ مِثلُ الجَمَلُ، فأخَذَ رَأسَهُ فَدَقَّ عُنُقَهُ وَوَضَعَ رُكبَتَيهِ في ظهْرهِ حتَّى قَتَلَهُ، ُثمَّ قامَ لِيَخْرُجَ إلى أصْحَابهِ لِيُخْبِرَهُم، فأخَذَتْ المَرْأةُ بذَيْلِهِ وقالتْ: أينَ تَذهَبُ عَنْ حُرْمَتِكَ؟ فظنَّتْ أنَّها لمْ تَقتُلُهُ، فقالَ: أخْرُجُ لأعْلِمَهُم بقَتلِهِ، فدَخَلوا عليه ليَحْتَزُّوا رَأسَهُ، فحَرَّكَهُ شَيْطَانُهُ فاضْطَرَبَ، فلمْ يَضْبطوا أمْرَهُ حتَّى جَلَسَ اثنَانُ على ظهْرهِ، وأخَذَتْ المَرْأةُ بشَعَرهِ، وجَعَلَ يُبَربرُ بلِسَانِهِ فاحْتَزَّ الآخرُ رَقبَتَهُ، فخَارَ كأشَدِّ خُوَار ثورٍ سُمِعَ قطُّ، فابْتَدَرَ الحَرَسُ إلى المَقصُوَرةِ فقالوا: مَا هذا مَا هذا؟ فقالتْ المَرْأةُ: النَّبيُّ يُوحَى إليه، فرَجَعُوا وجَلَسَ قيسٌ ودَاذويهِ وفيرُوزُ يَأتَمِرُونَ كيفَ يُعْلمُونَ أشيَاعَهُم، فاتَّفَقوا على أنَّه إذا كانَ الصَّباحُ يُنَادُونَ بشِعَارَهُم الذي بينَهُم وبينَ المُسلمينَ، فلمَّا كانَ الصَّباحُ قامَ أحدُهُم، وَهُوَ قيسٌ على سُوِر الحِصْنِ فنَادَى بشِعَاِرهِم فاجْتَمَعَ المُسلمونَ والكافرونَ حولَ الحِصْن، فنَادَى قيسٌ، وُيقالُ: وَبْرُ بن يَحْنَس، الأذانُ: أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ وأنَّ عَبْهَلةَ كذَّابُ، وألقَى إليهم رَأسَهُ فانْهَزَمَ أصحَابَهُ وتَبِعَهُم النَّاسُ يَأخُذونَهُم ويَحْصُدُونَهُم في ُكلِّ طريقٍ يأسِرُونَهُم، وظَهَرَ الإسلامُ وأهْلُهُ، وتَرَاجَعَ نُوَّابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أعمالِهِم وتَنَازَعَ أولئكَ الثلاثةِ في الإمارةِ ثمَّ اتَّفَقوا على مُعَاذ بن جبل يُصَلي بالنَّاسِ وكتَبُوا بالخبَر إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقدْ أطلَعَهُ اللهُ على الخبَر مِنْ ليلتِهِ، كَمَا قالَ سيفُ بن عمر التَّمِيميُّ عَنْ أبي القاسمِ الشنَويِّ عَنْ العَلاء بن زيد عَنْ ابن عمر: أتَى الخبَرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنْ السَّماءِ الليلةِ التي ُقتِلَ فيها العَنْسيِّ ِليُبَشِّرَنَا، فقالَ:"قتِلَ العَنْسِيُّ البَارحَة، قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَاركٌ مِنْ أهلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ"قيلَ: وَمَنْ؟ قالَ:"فيْرُوزُ، فيْرُوزُ ...") أهـ.

والحاصلُ:

أنَّ مَا ذَكَرنَا مِنْ أدِلةٍ في قِصَّةِ محمَّد بن مَسْلمَة مع كعبِ بن الأشرف، وفيْرُوزُ الدَّيلمِيُّ معَ الأسْوَدِ العَنْسيِّ مَا يُفِيدُ جَوَازُ التَّظاهر للكفَّار، خِدَاعًَا لهم وإنْ أدَّى ذلكَ إلى أنْ يقولَ المُسلمُ مَا يُطَمْئِنُ الكافرَ لِيَتَمَكنْ المُسلمُ مِنْ تَنْفِيذِ مَا انْتُدِبَ إليه مِنْ مُهِمَّةٍ شَرعيَّةٍ، سَواءً كانَ قتْلًا لرُؤُوسِ الكُفرِ وأئِمَّتِهِم أو لِقَلبِ أنْظِمَتِهِم الكفريَّةِ كَمَا فَعَلَهُ فيْرُوزُ الدَّيلمِيُّ.

وفيه جَوَازُ الإنقِلاباتِ العَسْكريَّةِ على الأنْظِمَةِ الكفريَّةِ، خِلافًا لمِنْ قالَ مِنْ أهلِ العِلمِ بحُرمَتِهِ، وهُم مَحْجُوجُونَ بمَا ذكرنَا مِنْ قِصَّةِ فيْرُوزَ معَ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ الكذاب.

واسْتِعمَالُ خِدَاعِ الكفَّارِ والإحْتِيَالِ عليهم صَرَاحَةً والحَثُّ على ذلكَ واسْتِعْمَالِهِ في حَالِ الحَربِ معَ الأعْدَاءِ مَقصَدٍ شَرْعِيٍّ قدْ دَلَّ الدَّلِيلُ على جَوَاِزهِ، ففي الصَّحِيْحَينِ عَنْ جَابر بن عبد الله رضيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (الحَرْبُ خُدْعَة) .

وعَنْ أبي هُرَيرَة رضيَ اللهُ عنه قالَ: (سَمَّى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحَربُ خُدْعَة) [99] .

وقالَ الحَافِظُ في"الفتح" [100] : (وأصلُ الخَدْعِ إظهَارُ أمْرٍ وأضْمَارُ خِلافَهُ، وفيهِ التَّحْريضُ على أخْذِ الحَذَِر في الحَرْبِ والنَّدْبِ إلى خِدَاعِ الكفَّاِر وأنَّ مَنْ لمْ يَتَيَقظ لذلكَ لمْ يَأمَنْ أنْ يَنْعَكِسَ الأمْرُ عليهِ، قالَ النَّوَويُّ: واتَّفَقوا على جَوازِ خِدَاعِ الكفَّاِر في الحَربِ كَيْفَمَا أمَكن، إلاَّ أنْ يكونَ فيهِ نَقضُ عَهْدٍ أو أمَانٍ فلا يَجُوز، قالَ ابن العَربيِّ: الخِدَاعُ في الحَربِ يَقَعُ بالتَّعْريضِ وبالكَمِينِ ونَحْو ذلكَ ... ) .

وبالجُمْلةِ:

فإنَّ كلَّ مَا فيهِ تَضْلِيلٌ للعَدُّو مِنْ خِدَاعِهِ وَكَذِبٍ عليهِ واسْتِعْمَِالِ أسَاليبِ التَّوريَةِ عِندَ التَّعَامُلِ مَعَهُ جَائِزٌ؛ وقدْ نَدَبَ الشَّارعُ إلى ذلكَ، خُصُوصًَا إذا كانَ أسْتِعْمَالُ الكَذِبِ والخِدَاعِ والتَّوريَةِ في حَقِّ الكفَّار يُؤدِّي إلى كَشْفِ خُطَطِهِم أو التَّمَكُّنِ مِنْهم أو إيْقَاعُ الهَزيمَةِ بِهِم فذلكَ مِنَ المَقَاصِدِ الشَّرعيَّةِ التي حَثَّ الشَّارعُ المُسلمينَ إلى إسْتِخْدَامِهَا لإحْقَاقِ الحَقِّ وإزْهَاقِ البَاطِلَ إنَّ البَاطِلَ كانَ زَهُوقًا.

[94] رَوَاهُ البُخاريُّ في كتابِ الجهادِ، بابُ الفَتكِ بأهلِ الحَربِ (6: ح3032: 160) فتحُ البَاري - ومُسلم (3: ح 1801: 1425)

[95] رَوَاهُ البُخَاري ّ في كتابِ الجهادِ - بابُ الكَذِبُ في الحَربِ (6: ح3031: 158 - 159) مِنْ فتحِ الباري

[97] أنْظر فتحَ البَاري (6: 159)

[99] رَوَاهُمَا البُخاريُّ في كتابِ الجهادِ - بابُ الحَربُ خُدْعَة، برقمِ (2865 و 2866) (3: 1102ـ البغا) ، ومُسلمُ (3: برقم 1740: 1362)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت