1)عنِ حسنِ بن محمد قالَ: أخبَرنِي عُبيد بن أبي رافعٍ قالَ: سَمعتُ عليًَّا رضيَ اللهُ عنه يقولُ: بَعثني: (رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَا والزُّبيرُ والمِقدادُ بن الأسودِ، قالَ: إنطَلِقوا حتَّى تَأتُوا روضة خاخٍ فإنَّ بها ظُعينة، ومَعَها كتابٌ فَخُذُوه مِنها. فانطَلقنا تعادى بنا الخيلُ، حتَّى انتَهينا إلى الروضةِ، فإذا نَحنُ بالظعينة فقلنا: أخِرجي الكتابَ، فقالتْ مامَعيَ مِن كتابٍ، فقُلنا لتُخِرجِنَّ الكتابَ أو لنُلقينَّا الثيابَ، فأخرَجَتُه مِن عقاصها، فأتَينا به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فإذا فيه: مِنْ حاطبِ بن أبي بَلتَعةَ إلى أنُاسٍ مِن المُشركينَ مِنْ أهلِ مكَّة، يُخبِرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حاطبُ مَاهذا؟ قالَ: يا رسولَ اللهِ لا تَعجَل عَليَّ، إنِّي كُنتُ إمرًا ملصقًا في قريش، ولم أكنْ ِمنْ أنفسها، وكانَ مَنْ معكَ مِنْ المُهاجرينَ لهم قََرابات بمكَّة، يَحمُونَ بها أهليِهِم وأموالِهم، فأحبَبتُ إذ فاتَني ذلكَ مِنَ النَّسبِ فيهم أنْ أتّّخذَ عندهم يَدًا يحمونَ بها قَرابتي، ومَا فعلتُ كُفرًا ولا ارتدَادًا، ولا رِضًا بالكُفرِ بعدَ الإسلام، فقالَ رسولُ اللهِ: لقدْ صدَقكم. قالَ عُمر: يا رسول الله دَعني أضربْ عُنقَ هذا المُنافق، قالَ: إنَّه قدْ شَهِدَ بدرًا وما يُدريكَ لَعلَّ اللهَ أنْ يكونَ قدْ إطَّلعَ على أهلِ بدرٍ فقالَ؛ اعِملوا ما شِئتم فقدْ غَفرتُ لكم) [18] .
قُلتُ: أنَّ قِصَّةَ حاطبِ بن أبي بَلتَعةَ رضي الله عنه تَدلُّ على أنَّ مُناصرةَ الكُفَّارِ ومُعاونتِهم ومُظاهرتِهم على المُسلمينَ كُفرٌ ورِدَّةٌ عَنِ الدِّينِ.
ويَتبيَّنُ ذلكَ مِنْ وجُوهٍ:
الأوَّل: قولُ حاطبٍ رضيَ اللهُ عنه: (ومَا فََعلتُ كُفرًا ولا ارتِدَادًا ولا ِرضًا بالكُفرِ بعدَ الإسلامِ) ، وفي ِروايةٍ عند البُخاري:"بابُ؛ فضلُ مَنْ شَهدَ بدرًا"، قال: (واللهِ مَا بيَ أنْ لا أكونَ مُؤمنًا باللهِ ورسولِهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا،"بابُ؛ غَزوةِ الفتحِ"، أنَّه قالَ: (ولمْ أفعَلُهُ ارتِدادًا عن ِديني ولا ِرضًا بالكُفرِ بعدَ الإسلام) ، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا في"باب؛ {لا تّتَخِذوا عَدوي وعَدوكم أولياء} "، قالَ حاطبُ: (ومَا فَعلتُ ذلكَ كُفرًا ولا ارتِدَادًا عن ِديني) ، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا،"بابُ؛ مَنْ نَظَرَ في كتابِ مَنْ يَحذر على المُسلمينَ ليَستَبينَ أمرُهُ"، قالَ: (مَا بيَ ألا أكونَ مُؤمنًا باللهِ ورسولِهِ، ومَا غيَّرتُ ولا بدَّلتُ) ، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا"بابُ؛ مَاجاءَ في المُتأوِّلينَ"، قالَ: (يا رسولَ اللهِ ماليَ أنْ لا أكونَ مُؤمنًا باللهِ ورسولِهِ) ، فهذا يدُلُّ على أنَّ المُقرَّر عند الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهم ومِنهم حاطبُ رضيَ اللهُ عنه أنَّ مُعاونةَ الكُفَّارِ والتَّجسُسِ لهم وإفشاءِ أسرارِ المُسلمينَ لهم، ومُناصرتِهم ومُظاهرتِهم على المُسلمينَ أنَّه ِردَّةٌ عن دينِ الإسلامِ وكُفرٌ باللهِ ورسولِهِ.
الثَّاني: قولُ عمر بن الخطَّاب رضيَ اللهُ عنه: (يا رسولَ اللهِ، دَعني أضربُ عُنقَ هذا المُنافقِ) ، وفي ِروايةٍ في"بابِ؛ إذا اضطُرَ الرجلُ إلى النَّظرِ في شُعورِ أهلِ الذِمَّةِ": (دَعني أضربُ عُنقَه فإنَّه قدْ نَافق) ، وفي ِروايةٍ"بابُ؛ فضلُ مَنْ شَهدَ بَدرًا"، قالَ عمر: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ فدعني فلأضْرِبْ عُنُقَه ... ) ، ثُمَّ قالَ: (إنَّه قدْ خانَ اللهَ والمُؤمنينَ فدعني فلأضْربْ عُنُقَه) ، وفي ِروايةٍ أنَّ عمر بن الخطَّاب قالَ: (إنَّه قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، فدعني فأضربُ عُنُقه) ، في"بابِ؛ مَنْ نَظرَ في كتابِ مَنْ يَحذر على المُسلمينَ ليَستَبينَ أمره"، وفي ِروايةٍ في"بابِ؛ مَا جاءَ في المُتأوِّلينَ"قالَ عمر: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، دعني فأضربُ عُنقه ... ) ، ثُمَّ قالَ فعادَ عمر فقالَ: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، دعني فلأضربْ عُنُقه) . فقدْ كانَ المُقرَّر عندَ عمر بن الخطَّاب رضيَ اللهُ عنه أنَّ مُظاهرةَ الكُفَّارِ على المُسلمينَ ومُعاونتِهم والتَّجسُسِ لهم نفاقٌ وكُفرٌ وِردَّةٌ عن دينِ الإسلامِ وخيانةٌ للهِ ولرسولِه وللمُؤمنينَ وذلكَ ظاهرٌ مِن قولِ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فليسَ فيهِ خَفاء.
الثَّالث: عدمُ إنكارِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على عمر قولَه هذا، وإنِّما ذَكرَ له صِدقَ مَا اعتذرَ بهِ حاطب، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (لقدْ صدَقَكم) ، وفي ِروايةٍ قالَ: (صَدَقَ لا تَقُولوا له إلاَّ خيرًا) ، وفي ِروايةٍ قالَ: (إنَّه قد صَدقَكم) ، وفي ِروايةٍ: (فصدَّقَه النبَََّي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) .
الرابع: أنَّ حقيقةَ فِعلُ حاطبٍ رضي الله عنه أنَّه كُفرٌ، لكنَّ حاطبًا لمْ يَكفُر لأنَّه لمْ يقصِد الكُفرَ وهذا مفهومٌ مِن قولِهِ: (ومَا فعلتُ ذلكَ كُفرًا ولا ارتِدَادًا عن ديني) ، وعلَّلَ ذلكَ أيضًا بأنَّه مَا فَعلَ فعْلَته تلكَ إلاَّ لِيتَّخذَ عندَ قريشٍ يَدًا يَحمُون بها قُرابتِه، ومع أنَّ ذلكَ ليسَ بعذرٍ لحاطبٍ ولا لغيره، إلاَّ أنَّ حاطبًا لمَّا كانَ مُتأوِّلًا انتَفى عنه الكُفر.
ولذلكَ قالَ الحافظُ ابن حجر في"الفتحِ" [19] : (وعُذرُ حاطبَ مَا ذَكَره، فإنَّه صَنعَ ذلكَ مُتأوِّلًا أنْ لا َضَرَرَ فيهِ) أهـ.
الخامس: ذكرَ الحافظُ في"الفتحِ" [20] ، فقالَ: (وعندَ الطَّبريُ مِن طَريقِ الحارثِ عن عليٍّ في هذهِ القِصَّةِ فقالَ: أليسَ قدْ شَهدَ بدرًا؟ قالَ: بَلَى، ولكنَّه نَكث وظََاهرَ أعدائكَ عليكَ) .
فهذا يَدُلُّ على أنَّ مُظاهرةَ الكُفَّارِ ومُناصرتِهم ومُعاونتِهم على المُسلمينَ نَكثٌ للعهدِ وِردَّةٌ ظَاهرةٌ وكُفرٌ صُراح.
السادس: أنَّ حَاطبًا رضي الله عنه مَع أنَّه نَصَرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَفْسِهِ ومَالِهِ وخَرجَ مَعَه غَازيًَا في غَزواتِهِ وشَهِدَ مَع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم المَشاهِدَ كُلَّها، وكانَ ِممَّنْ شَهِدَ بَدرًَا والحُديبَّية، قدْ قالَ فيهِ عمر رضي الله عنه: (إنَّّه قدْ خانَ اللهَ ورسولَهَ والمُؤمنينَ) ، وَعدَّ فِعْلَه ذاكَ مُظاهرةً للمُشركينَ وتَجَسُسًَا على المُسلمينَ، مَع أنَّه مَا فَعَلَ ذلكَ إلاَّ لظنِّه أنَّ اللهَ نَاصِرُ رسولَه، وأنَّ إخبارَه لقريشٍ بتَجهِيز رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم لا يَضرُّ اللهَ ولا رسولَه كَمَا رَوَى قِصَتَه إبن مَردَويه مِنْ حديثِ إبن عبَّاسٍ فَذَكَرَ مَعنى حديثِ عليٍّ وفيهِ فقالَ: (يا حاطبُ مَا دعاكَ إلى مَا صََنعتَ؟ فقالَ: يا رسولَ اللهِ كانَ أهلِِي فيهِمِ فكَتَبتُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللهََ ولا رسولَه) .
ورَوى إبن شَاهين والبَارُودي والطَّبَرانِيُ وسَمَويه مِن طَريقِ الزُهرِيِّ عن عُروة عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بَلتَعة قالَ: (وحاطبُ رجلٌ مِنْ أهلِ اليَمنِ وكانَ حَليفًَا للزُّبيرِ وكانَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقدْ شَهدَ بدرًا وكانَ بَنُوهُ وإخوَتُهُ بمكَّة فكَتَبَ حاطبُ مِنَ المدينةِ إلى كِبارِ قريشٍ يَنصَحُ لهم فيهِ ... ) ، فَذَكَرَ الحديثَ نَحَوَ حديثِ عليٍّ وفي آخرِهِ فقال َحاطبُ: (واللهِ مَا ارتَبتُ في اللهِ مُنذُ أسلَمتُ ولكنَّني كُنتُ إمرًا غريبًَا وليْ بمكَّة بَنونَ إخوةً ... الحديث) ، وزادَ في آخرِهِ: (فأنزَلَ اللهُ تعالى: {يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوي وعَدُوكم أولياءَ ... الآياتِ} ) ، ورَواهُ إبن مَردَويه مِن حديثِ أنسٍ وفيه نُزولُ الآيةِ، ورَواهُ إبن شَاهين مِن حديثِ إبن عمر بإسنادٍ قويِّ [21] .
فكيفَ بمَنْ يَتولَََّى الكُفَّارَ ويُعاديَ المُؤمنينَ ويُناصرُ الطَّواغيتَ ويُعينَهم على حربِ المُجاهدينَ، وَيَستعمَله الطَّاغوتُ لمُظاهرةِ الأمريَكانِ على المُسلمينَ وبالأخصِّ على الحركاتِ الإسلاميَّةِ، فمَنْ كانَ حَالُه هكذا فَهوَ أولَى بإنزالِ حُكمِ الِردَّةِ والنِفاقِ عليهِ.
السابع: إنَّ لفظَ الكتابِ الذي بَعثَه حاطبُ لنفرٍ مِنَ المُشركينَ لمْ يَكنْ مِنْ المُظاهرةِ في شيءٍ فقدْ ذَكَرَ بعضُ أهلِ المَغازي وَهَوَ في"تَفسِير يَحي بن سلام"أنَّ لفظَ الكتابِ: (أمَّا بعدُ يا مَعشرَ قريشٍ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَاءَكم بِجيشٍ كاللَّيل، يَسيرُ كالسَّيلِ، فواللهِ لو جَاَءكم وَحدَه لنَصَرَهُ اللهُ وأنجَزَ لَه وعْدَه، فانظُروا لأنفُسِكم والسَّلام) ، كَذا حَكاهُ السُهيليِّ [22] ، فمَضمُونَ ِرسالةِ حاطبٍ لا يُفهَمُ مِنه المُظاهرةُ للمُشركينَ على المُسلمينَ، وليسَ فيهِ مَا يَدُلُّ على أنَّه نَاصَرَ الكُفَّارَ وعاونَهم على المُسلمينَ، غايَتُه أنْ يكونَ مَعصيةٌ، كَفَّرَها اللهُ لَه بِسببِ شُهودِهِ بَدرًا.
الثامن: إنَّّ حَاطِبًا لمْ يَفعلْ ذلكَ نِفاقًا ولا تَجَسُسًَا للكُفَّارِ على المُسلمينَ، بَلْ إنَّما فَعَلَه مُصانَعةً ليكونَ لَه عندَهُم يَدّ، وهذا الفِعلُ وإنْ كانَ بِحَدِّ ذَاتِه يُعَدُّ كُفرًَا في الإسلامِ، إلاَّ أنَّ حَاطِبًا ظَنَّ أنَّه ليسَ مِنْ جِنْسِ الكُفر، فَفي ِروايةِ ابن إسحاق أنَّه قالَ: (وكانَ لِي بَينَ أظهُرهِم وَلَدٌ وَأهلٌ فَصَانَعتُهُم عليه ... ورَوى الواقديُّ بِسنَدٍ لَهُ مُرسلٌ أنَّ حَاطِبًَا كَتَبَ إلى سُهيلِ إبن عَمْرو وصَفوان بن أميّة وعِكرمة؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أذَّنَ في النَّاسِ بالغزو ولا أرَاهُ يُريدُ غَيرَكُم، وقدْ أحبَبتُ أنْ يكونَ لِيَ عِندَكُم يَدّ) [23] .
ولذلكَ قََبِِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُذرَهُ، مِمَّا يَدُلُّ على أنَّه كانَ صَادِقًا في عُذْرِهِ الذي اعتَذَرَ به.
2)عنْ جَريرِ بن عبد الله البَجليُّ رضي الله عنه قالَ: (أتيتُ النَّبيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَهُوَ يُبَايَعُ فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ أُبسُطْ يَدكَ أُبايِعكَ واشتَرِطْ عَلَيَّ فأنتَ أعلم، قالَ: أُبايعُكَ على أنْ تَعبدَ اللهَ، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ، وتُناصِحَ المُسلمينَ، وتُفَارقَ المُشركينَ) [24] .
فأفادَ الحديثُ وجوبَ مُفارقةِ المُشركينَ، وأنَّ ذلكَ مِمَّا اشتَرَطَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليهم عندَ مُبايَعتِهِم لَه، ومُظاهرةُ المُشركينَ ومُعاونتُهُم بأيِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ المُعاونةِ لا يُحَقِّق ذلكَ الشَّرط.
3)وعن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه قالَ: (قُلتُ؛ يا نَبيَ اللهِ مَا أتَيتُكَ حتَّى حَلَفتُ أكثرَ مِنْ عَددِهِنِّ - لأصَابِع يَديِهِ - ألاَّ آتِيكَ، ولا آتيَ دِينَكْ، وإنِّي كُنتُ إمرًا لا أعْقْلُ شَيئًَا إلاَّ مَا علَّمَني اللهُ ورسولُهُ، وإنِّي أسألُكَ بِوجهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا بَعَثَكَ ربُكَ إلينَا؟ قالَ: بالإسلامِ، قالَ: قُلتُ: وَمَا آياتُ الإسلامِ؟ قالَ: أنْ تقولَ؛ أسْلمتُ وَجهَيَ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وتَخلَّيتَ، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ، كُلُّ مُسلمٍ على مُسلمٍ مُحَرَّم، أخوان نصيران، لا يَقبَلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشركٍ بعدَ مَا أسلَمَ عَملًا أو يُفارقُ المُشركينَ إلى المُسلمينَ) [25] .
ومَحلُ الإستدلالِ بِهِ قولُهُ: (لا يَقبلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشركٍ بَعدَ مَا أسلمَ عَملًا أو يُفارقُ المُشركينَ) ، فَدَلَّ على أنَّ مَنْ لمْ يُفارقْ المُشركينَ لا يََقبَلُ اللهُ مِنه عَملًا بَعدَ إسلامه، وأنَّ الشَّرطَ في ِصحَّة إيمانِهِ هَوَ مُفارقةُ المُشركينَ إلى المُسلمينَ، ومُظاهرةُ الكُفَّارِ ومُعاونتِهِم ومُناصرتِهِم بالقولِ والفعلِ لا يُحقِّقُ ذلكَ الأصلَ العظيم.
4)عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه: (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ سَريَّةً إلى خَثعَم فاعتَصمَ ناسٌ بالسُّجُودِ فأسرَعَ فيهم القتلَ، فبَلَغَ النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأمَرَ لَهم بنصِفِ العَقلِ وقالَ: أنَا بَريءٌ مِنْ كُلِّ مُسلمِ يُقيمُ بَينَ أظْهُرِ المُشركينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وَلِمَ؟ قالَ: لا تَرَايَا نَارَاهُما) [26] .
فإذا كانَ المُقيمُ بينَ أظْهُرِ المُشركينَ قدْ بَريءَ مِنهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكيفَ بِمَنْ ظاهَرَهُم وعَاونَهُم ونَاصَرَهُم على المُسلمين.
5)وقالَ الإمامُ التِّرمذيُ في"السُّننِ"في"كتابِ السِّير"،"بابُ؛ مَا جَاءَ في كراهيةِ المُقامِ بينَ أظْهُرِ المُشركينَ" [27] : (وَرَوى سَمُرَةُ بن جُندُب، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: لا تُسَاكِنُوا المُشركينَ ولا تُجَامِعُوهم، فَمَنْ سَاكَنَهم أو جَامَعَهم فَهَوَ ِمثلَهم) .
فإذا كانَ مَنْ سَاكنَهم أو إختلطََ بِهم صَارَ ِمثلَهم، فَمِنْ بابِ أولَى أنْ يَصيرَ ِمثلَهم في الكُفرِ مَنْ ناصَرَهم وعَاونَهم وظَاهَرَهم على المُسلمينَ أو تَجَسَّسَ لَهم.
[18] رواه البُخاري، في كتابِ الجهادِ والسِّير، باب الجَاسوس (3: برقم 2845: 1095) وبابُ إذا اضطُرَّ الرجلُ إلى النَّظرِ في شُعورِ أهلِ الذمَّة والمُؤمنات إذا عَصينَ اللهَ وتَجريدهِنَّ (3: برقم 2915: 1120 - 1121) وفي كتابِ المَغازي - بابُ فضلِ مَنْ شَهدَ بدرًا، (4: برقم 3762: 1436) وبابُ غزوةِ الفتحِ ومَا بَعثَ به حاطبُ بن أبي بَلتَعة إلى أهلِ مكَّة يُخبرهم بغزوِ النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (4: يرقم 4025: 1557) وفي كتابِ التَّفسير - بابُ (( لاتَتَّخِذوا عَدُوي وعَدوَّكم أولياء ) ) (4: برقم 4608: 1855) وفي كتابِ الإستئذان - بابُ مَنْ نَظر في كتابِ مَنْ يُحذرعلى المُسلمينَ ليستَبينَ أمره (5: برقم 5904: 2309) وفي كتابِ: استتابةُ المُرتدِّينَ والمُعانِدينَ بابُ: مَا جاءَ في المُتأوِّلينَ (6: برقم 6540: 2542: 2543) ومُسلمٌ في كتابِ: فضائلُ الصَّحابةِ بابُ: مِنْ فضائلِ أهلِ بدرٍ رضيَ الله عنهم وقِصَّةُ حاطبِ بن أبي بَلتَعة (2: برقم 2494: 398) .
[21] أنظُر الإصابةَ في تمييزِ الصَّحابةِ لابن حجر العَسقلاني (1: 300) ترجمة حاطب بن أبي بَلتَعَة - ط: دار صادر
[22] أنظُر فتحَ البَاري (7: 521)
[23] فتحُ البَاري (7: 521)
[24] رَواه أحمدُ في المُسنَد (4: 365) والنَّسائي في السُنن الكُبرى (7: 148) والبيهقي في السنُن (9: 13) وصحَّحَه الألبَانِي في السَّلسلة الصَّحيحَة (2: برقم 636: ص 230)
[25] رَواه أحمدُ (5: 4) والنَّسائي (1: 358) والحاكِمُ في المُستدرَكِ (4: 600) وصحَّحَه ووافَقَه الذَّهبيُ وحَسَّنه الألبَانيُ في الصَّحيحَة (1: 369: 99)
[26] رَواهُ التِّرمِذيُ في كتابِ السِّير: بابُ مَا جاءَ في كراهيةِ المُقامِ بينَ أظْهُرِ المُشركينَ (4: 1604: 132 - 133) وأبو داود في كتابِ الجهادِ: بابُ النَّهي عن قَتلِ مَن ْ اعتصمَ بالسُّجُود (3: 2645: 46) وإسنادُهُ صَحيح