الصفحة 15 من 15

وخِتَامًَا؛

نُبَيَّنُ أنَّ الواجبَ على المُسلمِ أنْ لا يكونَ شُرطِيًَّا ولا عَريْفًَا ولا جُنْدِيًَّا ولا عَسْكَريًَّا للأمَرَاءِ الظَّلمَةِ وإنْ حَكَمُوا بمَا أنزلَ اللهُ، فكيفَ بمَنْ لا يَحْكمُ بشَرعِ اللهِ ويَسْتَبْدَلهُ بالقانُونِ الوَضْعِيِّ اللعِينِ، فهذا وأمْثالُهُ مِنَ الحُكَّامِ المُرتَدِّينَ المُبَدِّلينَ للشَّرعِ، الواجبُ على المُسلمِ أنْ لا يَكونَ مُنَاصِرًَا لهم ولا مُعِيْنًَا لهم، ولا يَنْضَمَّ إلى صُفوفِ جُنُودِهِم وعَسَاكِرهِم، وقدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ على النَّهيِّ أنْ يكونَ المُسلمُ شُرطِيًَّا أو عَريْفًَا للأمَرَاءِ الظَّلمَةِ.

فعَنْ أبي سعيدٍ وأبي هُرَيْرَة رضيَ اللهُ عنهُمَا قالا: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لَيَأتِينَّ عليكم أمَرَاءَ يُقَرِّبُونَ شِرَارَ النَّاسِ، ويُؤخِرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَوَاقِيْتِهَا، فمَنْ أدَرَكَ ذلكَ مِنْكم، فلا يَكُونَنَّ عَريْفًَا ولا شُرْطِيًَّا، ولا جَابيًَا، ولا خَاِزنًَا) [101] .

ُقلتُ: والعَريفُ هُوَ النَّقِيبُ وَهُوَ دُونَ الرئِيسِ والجَمْعُ عُرَفَاء، ومَا يُعْرَفونَ اليَومَ بالضُّباطِ بمَعْنَى العُرفاء.

وعَنْ عبد الله بن مسعود رضيَ اللهُ عنه قالَ: (قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّه سَيَلِيْ أمْرَكُم مِنْ بَعْدِي ِرجَالٌ يُطفِؤُنَ السُنَّة، وَيُحْدِثونَ ِبدْعَةً، ويُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا، قالَ ابن مَسعود: يَا رسولَ اللهِ، كيفَ ِبيْ إذا أدْرَكْتُهُم؟ قالَ: ليسَ - يَا ابنَ أمِّ عبدْ - طاعَة لمَنْ عَصَى اللهَ، قالهَا ثلاثَ مَرَّاتٍ) [102] .

ُقلتُ: فإذا كانَ أمَرَاءُ الجَوِْر والظلمِ نَهَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنْ طَاعَتِهِم لكَونِهِم يُطفِؤُونَ السُنَّةَ ويُحْدِثونَ البدْعَةَ ويُقرِّبُونَ شِرَارَ النَّاسِ، وَحَرَّمَ على المُسلمِ أنْ يكونَ عَريْفًَا أو شُرْطِيًَّا أو جَابيًَا أو خَاِزنًَا لهُم، وإنْ حَكَمُوا بحُكمِ اللهِ، فكيفَ يُعَانُ ويُنْصَرُ الحُكَّامُ المُرتّدُّونَ المُبَدِّلونَ لشَرعِ اللهِ المُوَالونَ لليَهودِ والنَّصارى المُحَاربُونَ للهِ ولرسولِهِ وللمُؤمنينَ؟!

ولذلكَ على المُسلمِ أنْ يَتَّقِيَ اللهَ وَيَحْتَاطَ لدِينِهِ، ولا يُطِعْ الكافرينَ والمُنَافِقينَ، والواجبُ عليه أنْ يَسْألَ أهلَ العِلمِ العَامِلينَ بعِلمِهِم مِمَّنْ يَخْشَونَ اللهِ وَيَتَّقونَهُ ولا يُنْصِتْ إلى عُلمَاءِ السُّوءِ وأئِمَّةِ الضَّلالِ مِمَّنْ بَاعُوا دِيْنَهُم ِبعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا قليلٌ؟!

وعلى المُسلمينَ أنْ يَتَنَاصَحُوا فِيْمَا بَيْنَهُم في مِثلِ هذِهِ المَسَائِلِ العِلمِيَّةِ والإيمَانِيَّةِ مِنْ بابِ قولِهِ تعالى: {وَتَوَاصَوا بالحَقِّ وتَوَاصَوا بالصَّبر} (العصر: 3) ، وعَمَلًا بقولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (الدِّينُ النَّصِيْحَة) [103] .

ولابُدَ مِنْ نَشْر هذا العِلمِ وَبَيَانِهِ والحَذَِر مِنْ ِكتمَانِهِ، فالسُّكُوتُ عَنْ البَيَانِ في وَقتِ الحَاجَةِ إثمٌ، لإقِامَةِ الحُجَّةِ على النَّاسِ كيْ لا يَحْتَجٌّ مُبْطِلٌ ِببَاطِلِهِ، ولا يَتَعَذَّرَ صَاحِبُ هَوَى بالجَهلٍ في مِثلِ هذِهِ المَسَائِلِ التي ُتعْتَبَرُ مِنْ لوَاِزمِ التَّوحِيدِ وَحَقِيْقةِ الإيمَان، {لِيَهْلكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْي مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللهَ لسَمِيعٌ عَليمٌ} (الأنفال: 42) .

واللهَ أسْألُ أنْ يَحْفَظَنَا في دِيْنِنَا وَيَتَوَفانَا على الإيمَان، وَيُجَنِّبَنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنْ.

وصَلِّ اللهُمَّ على نَبيِّنَا محمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسلِّم

وآخِرُ دَعْوَانَا أنْ الحَمْدُ للهِ ربِّ العَالمَين

كانَ الفَرَاغُ مِنْ ِكتَابَتِهِ وَتَبْييضِهِ فَجْرَ يَومِ السَّبْتِ

بتاريخ 28 مِنْ ذِيْ الحِجَّةِ 1423هـ، ِوَفقَ 1/ 3 / 2003 م.

وكَتَبَ: عبدُ الرحمَن بنُ عبدِ الحَمِيدِ الأمِين

[101] رَوَاهُ ابن حِبَّان؛ مَواردِ الظَّمْآن (2: برقم 1558: 676) واسْنَادُ هذا الحَدِيثِ ِرجَالهُ ثِقَاتٌ ِرجَالُ الصَّحِيْحَينِ سِوَى عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وَهُوَ ثِقة كَمَا في التَّقريبِ، ورَوَاهُ أبو يَعْلى المَوْصِليُّ في مُسْنَدِهِ فقالَ الهَيْثمِيُّ في مَجمَع الزَّوائِدِ: (رَوَاهُ أبو يَعْلى وَِرجَالُهُ ِرجَالُ الصَّحِيحِ خَلا عبد الرحمن بن مسعود، وَهُوَ ثِقة) ، وصَحَّحَهُ الألبَانِيُّ في الصَّحِيحَةِ (1: برقم 360: 89)

[102] رَوَاهُ عبد الله بن الإمامِ أحمد عَنْ أبيهِ وجَادة في المُسْنَدِ (2: برقم 3790: 58 - 59) وابنُ ماجَه في كتابِ الجهادِ - بابُ لا طاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللهِ (2: 2865: 956) والطَّبَرَانِيُّ في المُعْجَم الكبير (3: 74: 2) واسْنَادُهُ صَحِيحٌ على شَرطِ مُسلم) وصَحَّحَهُ الألبَانِيُّ في الصَّحِيْحَةِ (2: ص 139)

[103] رَوَاهُ مُسلمٌ عَنْ تمِيم بن أوس الدَّاريّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت