الصفحة 10 من 15

ولكنْ هلْ دَعوَى الإكْرَاهِ في هذِهِ المَسألةِ مُعتَبرةٍ، سِيمَا وأننَّا نَجِدُ مَنْ يَتَعلَّل بالإكراهِ ويَقولُ إنَّما أعَنتَهم ونصرتَهم لأنَّهم أكرَهُوني، فَيَعتَذرُ بالإكراهِ في إعانةِ الطَّاغوتِ ومُناصَرتِهِ؟

والجوابُ على ذلكَ نقولُ:

إنَّ دَعوى الإكراهِ في إعانةِ الطَّواغيتِ ونُصرتِهم غيرُ مُعتبرةٍ شرعًا، ذلكَ أنَّ مِنْ تَحقيقِ التَّوحيدِ الكُفرُ بالطَّاغوتِ وذلكَ لا يَتحقَّقُ إلاَّ بالولاءِ للهِ ولرسولِهِ وللمُؤمنينَ ويكونُ بمَحبَّتِهم ونُصرتِهم بالقولِ والفعلِ والنُصحِ لهم وإعانتِهم قدرَ الإمكانِ والإستطاعةِ ونحوَ ذلكَ مِنَ المسائلِ التي هيَ مِنْ الإيمانِ والتَّوحيدِ.

وحَقِيقةُ ذلكَ البَراءةُ مِنَ الكُفر وأهلِهِ وذلكَ بِبُغضِهِم وبُغضِ مَا يَدينُونَ ويَعتَقِدُونَ بِهِ ومُفارقتِهم ظَاهِرًا وباطنًا وعدمُ الركُونِ إليهم وتركُ الإعجابِ بِهم، والحَذَرُ مِنَ التَّشبُّهِ بِهم في الهَدْيَين الظَاهر والبَاطن، وتَحقِيقِ مُخالفتِهم شرعًا، وتَركُ إعانتِهم وعدمُ نُصرتِهم والحَذَرُ مِنْ مُظاهرتِهم على المُسلمينَ، وجِهادِهم بالمالِ واللِّسانِ والسِّنان، ونَحوَ ذلكَ مِنْ مُقتَضَيَاتِ المُوالاةِ في اللهِ والمُعاداةِ فيه.

ومَا أجمَلَ تلكَ العِبارةِ التي سطَّرها أبو الوفاء ابن عقيل رحِمه اللهُ تعالى كَمَا في"الآداب الشرعيَّة لابن مفلح" [40] حيثُ قالَ: (إذا أرَدْتَّ أنْ تَعْلَمَ مَحلَّ الإسلامِ مِنْ أهلِ الزمانِ، فلا تَنْظُر إلى زحَامِهم في أبوابِ الجَوامع، ولا ضَجِيجِهم في المَوقِفِ بِلبَّيكَ، وإنَّما انظُر إلى مُواطَأتِهم أعداءَ الشَّريعةِ ... ) [41] أهـ.

وَمَنْ أُكْرِهَ لقِتَالِ المُسلمينَ فلا يَجُوْزُ له أنْ يَخرُجَ مع الكُفَّارِ ليُقاتِلَ المُسلمينَ، لأنَّ نَفْسَهُ ليسَتْ بأعظمِ عندَ اللهِ سبحانه وتعالى مِنْ أنْفُسِ المُجَاهِدينَ الذينَ مَدَحَهُم اللهُ بقوله: {إنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمنينَ أنْفُسَهُم وأموَالَهم بأنَّ لهم الجَنَّةَ يُقَاتِلونَ في سَبيلِ اللهِ فَيََقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ... الآية} ، (التَّوبة: 111) ، ولا يَجُوْزُ لِمُسلمٍ أنْ يُزِيلَ عن نَفسهِ ضَرَرًَا لِيُلحِقََه بمُسلمٍ آخرَ وهذا معنى قول الأُصُوليِّينَ؛ (الضَّرَرُ لا يُزَالُ بمِثلِهِ) .

فإذا أُكْرهَ مُسلمٌ على قََتلِ مُسلمٍ آخرَ لمْ يَحلَّ له قََتْلَه، فكيفَ بمَنْ يَخرُجُ مع الكُفَّار ليُقَاتِلَ المُسلمينَ فهذا أوْلَى مِنْ أنْ يَحْرُمَ عليه ذلكَ، إذ لا يَجُوزُ لمُسلمٍ أنْ يَنْضَمَّ - مُكْرَهًَا - إلى صُفوفِ المُشركينَ لقِتَالِ المُسلمينَ، لأنَّه بمَنزِلةِ مَا لو أُكْرِهَ بالقََتْلِ على قََتْلِ مُسلمٍ.

وفي ذلكَ يقولُ الإمامُ السَّرخَسيُ كَمَا في"الشَّرح"-أي"شرحُ السِّير الكبير" [42] - مَا نَصُّه: (وإنْ قَالوا لهم: قَاتِلُوا مَعَنا المُسلمينَ وإلاَّ قَََتَلنَاكم لمْ يَسَعهم القِتالُ مع المُسلمينَ، لأنَّ ذلكَ حرامٌ على المُسلمين بِعَينِهِ، فلا يَجُوزُ الإقدَامُ عليه بسَبَبِ التَّهديدِ بالقتلِ، كَمَا لو قالَ له: اُقْتُل هذا المُسلمَ وإلاَّ قََتَلتُكَ فإنْ هدَّدُوهم لِيَقِفُوا معهم في صُفُوفِهم، ولا يُقَاتِلوا المُسلمينَ، رَجَوتُ أنْ يكونوا في سَعَةٍ؛ لأنَّهم الآنَ لا يَصْنَعُونَ بالمُسلمينَ شيئًَا، فهذا ليسَ مِنْ جُملةِ المَظالِم، وأكبرُ مَا فيه أنْ يَلحَقَ المُسلمينَ هَمٌّ لكَثْرِةِ سَوادِ المُشركينَ في أعيُنِهم، فَهُوَ بِمَنزلةِ مَا لو أُكِرهَ على إتلافِ مَالِ المُسلمينَ بوَعيدٍ مُتلِفٍ، فإنْ كانوا لا يَخَافونَ المُشركينَ على أنفُسِهم، فليسَ لهم أنْ يَقِفُوا معهم في صَفٍّ، وإنْ أمَرُوهم بذلكَ؛ لأنَّ فيه إرهاب ُ المُسلمينَ وإلقاءِ الرُّعبِ والفَشَلِ فيهم، وبِدُونِ تَحَقُّق الضَّرورةِ لا يَسَعُ المُسلمَ الإقدام ُ على شيءٍ مِنه) أهـ.

قُلتُ: فالضَّرُورةُ هُنا غيرُ مُعتبرةٍ شرعاَ لكونِها تُفضِي إلى مَفسَدةٍ أكبَرَ منها، فَمَفسَدةُ انضِمَام المُسلم إلى جَيشِ الكافرينَ، ومُناصرتِهِ للطَّاغوتِ، وقِتالِهِ في سبيلِهِ أعظَمُ مِنْ قَتْلِهِ أو تَعريضِ نَفسه للسِّجنِ والضَّربِ ونَحوَ ذلكَ، ولذلكَ لم يَلتفِتِ الشرعُ إلى مِثلِ ذلكَ باعتباره ضَرُورةً أو إِكراهاَ لِمَا يَتَرتَّبُ على ذلكَ مِنَ المَفاسِدِ الدِينيّّة والدُّنيَويّّة.

ومِنْ الأدلَّةِ على ذلكَ مَا رَواه البُخاريُ في صَحِيحِهِ في"كتابِ المَغازي"،"بابُ؛ شُهودُ المَلائِكةِ بَدراَ" [43] ، عن موسى بن عقبة قالَ: ابن شهاب حدَّثنا أنسُ بن مالك: (أنَّ ِرجالاًَ مِنَ الأنصار استأذَنُوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالوا: ائْذَنْ لنَا فَلْنَتْرُكَ لابن أختِنا عبَّاسَ فِدَاءَه، قالَ: واللهِ لا تَذَرُونَّ مِنْهُ دِرْهَماَ) أهـ.

قالَ الحافظُ في"الفتح" [44] : (قولُهُ؛"لابن أخْتِنا عبَّاس"، أيْ ابن عبد المُطَّلب، وأُمُّ العبَّاسِ ليسَتْ مِنَ الأنصار بلْ جَدَّتُه أُمُّ عبد المُطَّلب هيَ الأنصاريَّة، فأطْلَقُوا على جَدَّةِ العبَّاس أُختاَ لكونِها منهم، وعلى العبَّاسِ ابنها لكونِها جَدَّتُه، وهيَ سَلْمَى بنتُ عَمْروْ بن زيد بن لُبيد مِنْ بَني عُدي بن النَجَّار ثُمَّ مِنْ بَني الخَزرج، وأمَّا أُمُّ العبَّاس فهيَ نَتيلة بنون ومثناة مِنْ فوق ثُمَّ لإمِّ مصغر بنت جناب - بجيمٍ ونونٍ خفيفةٍ بعدَ الألف موحدة - مِنْ وَلدِ تيم الَّلات بن النَّمر بن قاسط، وَوَهَمَ الكرماني فقالَ: أُمُّ العبَّاس بن عبد المُطَّلب كانت مِنَ الأنصار، وأخذَ ذلكَ مِنْ ظَاهِرِ قولِ الأنصار"إبن أختنا"وليسَ كَمَا فَهِمَه، بلْ فيه تَجَوُّز كَمَا بَيَنْتُه) أهـ.

والعبَّاسُ بن عبد المُطَّلب رضي الله عنه هوَ ونَفَرٌ مِنْ بَني عبد المُطَّلب أُخْرِجُوا في يَومِ بدرٍ مع المُشركينَ مُكْرَهِينَ لقِتَالِ المُسلمينَ.

كَمَا رَواه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه وجادة في"المُسندِ" [45] عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: (قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ بدرٍ: مَنْ استطَعتُمُ أنْ تأَسُروا مِنْ بَني عبد المُطَّلب، فإنَّهم خَرجُوا كُرْهاَ، ولمْ يَعْذرَهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بلَ أمَرَ بأسِرهِم، وكانَ مِنهم العبَّاس بن عبد المُطَّلب رضي الله عنه، أسَرَه أبو اليُسر) .

وعَامَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عمَّه العبَّاس رضي الله عنه مُعامَلةَ الكُفَّار مع أنَّ العبَّاس رضي الله عنه كانَ مُسلِماَ ومِنَ المُستََضعَفينَ بمكَّة، فقد أخرَجَ ابن إسحاق من حديث إبن عبَّاس؛ أنَّ النَّبيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: (يا عبَّاسُ إفْدِ نفسَكَ وابن أخوَيكَ عقيل بن أبي طالب ونَوفَل بن الحارث وحَليفَكَ عُتبَة بن عَمْروْ فإنَّكَ ذُو مالٍ، قالَ: إنِّي كُنتُ مُسلماَ، ولكنَّ القومَ استَكْرَهُونِي، قالَ: اللهُ أعلمُ بمَا تقولُ إنْ كُنتَ مَا تقولَ حقَّاًَ إنَّ اللهَ يَجزيَكَ، ولكنَّ ظََاهِرُ أمركَ أنَّكَ كُنتَ علينا) [46] .

فقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (ظَاهِرُ أمركَ أنَّكَ كُنتَ علينا) ، صريحٌ في أنَّ مَنْ خَرَجَ مع المُشركينَ مُقاتِلاًَ للمُسلمينَ أنَّه يُعامَلُ مُعامَلةَ الكافرينَ وحُكْمُهُ كحُكْمِهِم فَهُوَ كافرٌ مِثلهم فالجُنودُ والعسكرُ الذينَ يُقاتِلونَ في سبيلِ الطَّاغوتِ يَجري عليهم أحكَامُ الِردَّةِ الّتي تَجري على الحُكَّامِ المُرتدِّينَ فَهم كُفَّارٌ مثلهم لا مَحَالة، وقِصَّة العبَّاس هذه مِنْ أصرحِ الأدلَّةِ في ذلكَ واللهُ المُوفِّق للصَّواب.

ولشيخِ الإسلامِ إبن تيميَّة رحِمه اللهُ تعالى كلامٌ جَميلٌ في مسألةِ الإكرَاهِ الَّتي نَحنُ بِِصَدَدِها حيثُ يُبَيِّنُ أنَّه لا يَجُوزُ للمُسلمِ أنْ يُقاتِلَ في صَفِّ الكُفَّار ولو كانَ مُكرَهًا على القِتالِ، فقالَ في"مجموع الفتاوى" [47] : (والمَقصودُ أنَّه إذا كانَ المُكرَهُ على القِتالِ في الفِتنَةِ ليسَ له أنْ يُقاتِلَ بلْ عليه إفسادُ سِلاحِهِ، وأنْ يَصبِرَ حتَّى يُقتَلَ مَظلُومًا، فكيفَ المُكرَه على قِتَالِ المُسلمينَ مع الطَّائفةِ الخارجةِ عن شرائعِ الإسلام؟ كمَانِعِي الزَّكاةِ والمُرتدِّينَ ونَحوَهم، فلا ريبَ أنَّ هذا يَجبُ عليه إذا أُكِرهَ على الحُضُور أنْ لا يُقاتِل، وإنْ قََتََلََه المُسلمونَ، كَمَا لو أُكرَهَه الكُفَّار على حُضُور صَفِّهم لِيُقاتِلَ المُسلمينَ، وكَمَا لو أَكْرَه رَجلٌ رجُلًا على قَتلِ مُسلمٍ مَعصُومٍ، فإنَّه لا يَجُوزُ له قَتْلُه باتفاقِ المُسلمينَ؛ وإنْ أَكْرَهَه بالقََتل؛ فإنَّه ليسَ حِفظُ نَفسِهِ بقتلِ ذلكَ المَعصُوم أولَى مِنَ العَكس. فليسَ له أنْ يُظلمَ عندَه فَيَقْتُله لِئَلاَّ يُقتَلَ هَوَ؛ بلْ إذا فََعَلَ ذلكَ كانَ القَودُ على المُكِْره والمُكْرَهِ جميعًا عندَ أكثرِ العُلماءِ، كأحمد ومالك، والشَّافعي في أحَدِ قوليه، وفي الآخر يَجبُ القَود على المُكِْرهِ فقط، كقول أبي حنيفة ومحمد، وقيلَ: القَودُ على المُكْرَهِ المُباشِر، كَمِا رُويَ ذلكَ عن زفر، وأبو يوسف يُوجِبُ الضَّمانَ بالدِّيةِ بَدلَ القَودِ، ولمْ يُوجِبه) .

وفي"مِنهاجِ السُنَّةِ النَّبويَّّةِ في نَقضِ كلامِ الشِيعةِ القَدَريَّة" [48] ذَهبَ شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة رحِمه اللهُ تعالى إلى كُفرِ مَنْ خَرَجَ في صَفِّ المُشركينَ لقِتالِ المُسلمينَ، ولو كانَ مُكْرَهًا فإنَّه يُحْكَمُ عليه بِمَا يُحْكَمُ على الكُفَّارِ ويُبْعثُ يَومَ القيامةِ على نِيَّتِهِ، فقالَ رحِمَه اللهُ تعالى: (وقدْ يُقاتِلونَ وفيهم مُؤمنٌ يَكتُمُ إيمانَه، يَشهَدُ القِتالَ معهم ولا يُمكِنُه الهِجرَةُ؛ وَهوَ مُكْرَهٌ على القِتالِ ويُبعَثُ يَومَ القيامةِ على نِيَّتِهِ. كَمَا في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قالَ: يَغزُو جيشٌ هذا البيتَ فَبَينَمَا هم بِبَيدَاءٍ مِنَ الأرضِ إذْ خُسِفَ بِهم. فقيلَ: يا رسولَ اللهِ، وفيهم المُكْرَه؟ فقالَ: يُبعَثُونَ على نِيَّاتِهم، وهذا في ظَاهر الأمر وإنْ قُتلَ وحُكِمَ عليه بمَا يُحْكَم على الكُفَّار فاللهُ يَبعَثَه على نِيَّتِهِ. كَمَا أنَّ المُنافقينَ مِنَّا يُحْكَمُ لهم في الظَّاهرِ بِحُكْمِ الإسلام ويُبعَثُونَ على نِيَّاتِهم فالجَزَاءُ يَومَ القيامةِ على مَا في القُلوبِ لا على مُجَرَّدِ الظََّواهِر، ولهذا رُويَ أنَّ العبَّاس قالَ: يا رسولَ اللهِ كُنتُ مُكْرَهًا. قالَ: أمَّا الظَّاهِرُ فكانَ علينا، وأمَّا سَريرَتُكَ فإلى اللهِ) أهـ.

وتَكَرَّرَ نَفسُ هذا الكلام في"مجموع الفتاوى" [49] .

والخُلاصَةُ في هذه المَسألةِ:

أنَّ كلَّ مَنْ خَرَجَ مُقاتِلًا في صُفوفِ الكُفَّارِ أو كانَ مُنْضَمًَّا إلى صُفوفِ الطَّواغيتِ أو كانَ مُناصِرًَا لهم بالقولِ والفِعلِ؛ كانَ الحُكْمُ الشَّرعيُّ في حَقِهِ أنَّه كافرٌ على التَّعيين، وهذا الحُكْمُ لا يَسري فقط على مَنْ قََاتَلَ في صُفوفِ الكُفَّارِ والمُشركينَ، بلْ إنَّه يَسري أيضًا على أنصارِ الحُكَّامِ المُرتدِّينَ وأعوانِهِم بالقولِ أو الفعلِ.

قالَ الإمامُ ابن حزم رحِمَه اللهُ تعالى في"المُحلَّى بالآثار" [50] في مَعْرضِ حَدِيثِهِ عن مَنْ لَحِقَ بِدَار الكُفرِ والحَربِ مُختَارًَا مُحَاربًَا لِمَنْ يَليه مِنَ المُسلمينَ فقالَ: (فإنْ كانَ هناكَ مُحَاربًَا للمُسلمينِ مُعينًا للكُفَّار بِخِدمَةٍ، أو كِتَابةٍ: فَهُوَ كافرٌ - وإنْ كانَ إنَّما يُقِيمُ هنالكَ لِدُنيَا يُصِيبُها، وَهوَ كالذِّميِّ لَهم، وَهوَ قادرٌ على اللَّحاقِ بجَمْهَرةِ المُسلمينَ وأرضِهِم، فَمَا يَبْعُدُ عنِ الكفرِ، ومَا نَرَى له عُذرًَا - ونَسأَلُ اللهَ العافيةَ ... ) ، إلى أنْ قالَ: (وأمَّا مَنْ سَكَنَ في أرضِ القَرَامِطَةِ مُختَارًَا فكافرٌ بلا شكٍّ، لأنَّهم مُعْلِنُونَ بالكفرِ وتَركِ الإسلام - نَعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ - ثُمَّ قالَ: ولو أنَّ كافرًا مُجاهدًا* غَلَبَ على دارٍ مِنْ دُور الإسلامِ، وأقَرَّ المُسلمينَ بها على حالِهم، إلاَّ أنَّه هُوَ المَالكُ لها المُنفَردُ بنَفسِهِ في ضَبطِها وَهوَ مُعلِنٌ بدينٍ غيرِ الإسلامِ لَكَفَرَ بالبَقَاءِ معه كُلُّ مَنْ عاونَه، وأقامَ معه - وإنْ ادَّعى أنَّه مُسلمٌ -) أهـ.

قُلتُ: أنْظُرْ إلى قولِ هذا الإمامِ الجَليلِ كيفَ قَرَّرَ هذِهِ المَسألة حيثُ جَعَلَ مَنْ أعانَ الكُفَّارَ بخدمةٍ أو كتابةٍ كفِارًا على التَّعْيين، وَهوَ مَا ذَهَبنَا إليه في كفر مَنْ أعانَ الكُفَّارَ والحكَّامَ المُرتدِّينَ بالقولِ كبعضِ الكُتَّابِ والصَّحَفِيينَ وبعضِ الإعلاميينَ الذينَ جَنَّدوا أنفسَهم للدفاعِ عن هؤلاءِ الطَّواغيتِ الذينَ جَاهَروا اللهَ والإسلامَ بالعداءِ وَوَالوا اليَهودَ والنَّصارى مِنْ دُونِ مُوَاربةٍ وأعلنُوا انضِمَامَهم إلى مَا سُمّيَ بالمُجتمعِ الدَّوليِّ بقيادةِ أمريكا الصَّليبيةِ لمُحَاربةِ مَا سُمّيَ بالإرهابِ ويَعْنُونَ به الإسلامَ وحَمَلةَ الشَّريعةِ وبالأخَصِّ مِنهم الجَمَاعاتِ الجهَاديَّةِ.

ومِنَ المَعلومِ أنَّ أيَّ طائفةٍ تُعادي اللهَ ورسوله والمُؤمنينَ وتَمْتنعُ عنِ التزامِ شريعةٍ مِنْ شرائع الإسلامِ الظَّاهِرةِ المُتوَاتِرةِ وتَستَبدلُ حُكْمَ اللهِ بالدَّساتيرِ الوَضعيَّةِ والقَوانينَ الكفريَّةِ، أنْ حُكْمَ آحَادُها كحُكْمِ ُرؤوسِها وقادَتِها وسَادَتِها وكبَراءِها.

فإذا عَرَفَ المُسلمُ ذلكَ فعليه أنْ يَعلمَ أنَّ الحُكَّامَ المُرتدِّينَ عَسكرُهم يَشتَملُ على أنَاسٍ مُرتدِّينَ مِنْ دُعاةِ القَوميَّةِ كالبَعثيينَ والنَّاصِريينَ ومِنْ دُعاةِ الشيوعيَّةِ كالإشتراكيينَ والإلحَاديينَ، بلْ قدْ يَشتملُ في عسكرِهِم أيضًا مَنْ يُطلِقونَ على أنفُسِهِم بدُعاةِ الوَطنيَّةِ وهيَ دَعوى جاهليَّةُ وفي كثيرٍ مِنَ البلادِ يَشتَملُ على عسكرِهِم أقوامٌ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى، كمَنْ سُمُّوا بيهودِ العربِ ونصارى العربِ - كنَصارى الشَّامِ والعراقِ ومِصرَ والسُّودان - ومَنْ يَنتَسبُ إلى الإسلامِ مِنهم وَهُمْ جُمهُورهم ليسَ فيهم مَنْ يُصلِّي إلاَّ القليلُ جدًَّا، وجَميعُهم لا يُقاتِلونَ على الإسلامِ، فلا يُجَاهِدون في سبيلِ اللهِ، ولا يَحمُونَ ثغورَ الإسلامِ، بلْ قِتَالهم يكونُ على مَفَاهيمٍ جَاهليَّةٍ كفريَّةٍ كحمايةِ الأنظمَةِ المُرتَدَّة، والقِتَالُ لأجلِ الحَاكمِ المُرتدِّ والدِفاعِ عن دَولتِهِ التي لا تَحْكمُ بشرع اللهِ، ومُقاتَلةِ كلِّ مَنْ خَرَجَ عليه ولو كانَ مُجاهدًِا خَارجًا عنه بمُقتَضَى شرع اللهِ، ولا يَتَردَّدُ هؤلاءِ العسكر مِنْ تَنفيذِ أوامِر الحُكَّامِ المُرتدِّينَ لِقمْعِ المُسلمينَ وإرهابِهِم والتَّصدِّي لكلِّ مَنْ يُنادِي بتَحْكِيمِ شرع اللهِ، ولذلكَ كانَ الحَاكِمُ المُرتدُّ عندَهم بمَنْزلةِ أمِير المُؤمنينَ وخَلِيفةِ المُسلمينَ.

وبالنَّظرِ إلى حَالِ هؤلاءِ الجُنودِ والعسكرِ نَرَى أنَّ عَامَّتًهم لا يُحرِّمُونَ دِمَاءَ المُسلمينَ وأموَالهم بلْ ولا يُحرِّمُونَ أعراضَ المُسلمينَ إلاَّ أنْ يَنْهَاهم عنها حَاكمُهُم المُرتدُّ، ولا يَلتَزمُونَ تَركَ مَا ذكرنَا، فإذا نَهَاهم عنهَا سُلطانُهُم أو عن غيرها أطاعوه لا بمجرَّدِ الدِّينِ بلْ لكونِهِ حَاكمُهم وسُلطانُهُم ولو كانَ أمرُهُ مُخالِفًا لشرع اللهِ، مُعَادِيًا للهِ ولرسولِهِ وللمُؤمنينَ مُوَالِيًا لليَهودِ والنَّصارى كحَالِهم مع أمريكا، والتي وَالوها دُونَ اللهِ، وأطاعُوها على حربِ الإسلامِ وحَمَلةِ الشَّريعةِ، وظاهَرُوها على المُسلمينَ المُجَاهِدينَ في كلِّ بقاعِ الأرضِ، وتَعاونوا مَعها على حربِ المُقَاتِلينَ في سبيلِ اللهِ تحتَ مُسمَّى"مُكافحة الإرهاب".

فقِتَالُ أعوانِ هؤلاءِ الطَّواغيتِ وأنصارهِم واجبٌ بإجمَاع المُسلمينَ، ومَا يَشكُّ في ذلكَ إلاَّ مَنْ لمْ يَعرف حَقيقةَ الطَّاغوتِ ووجُوبِ الكفر بِهِ، وجَهِلَ أصولَ التَّوحيدِ ومُوجِبَاتِهِ ولمْ يَعرف لوازمَهُ ومُقتَضَيَاتِهِ.

ولذلكَ قالَ شيخُ الإسلامِ رحِمَه اللهُ عنِ التَّتار الذينَ هَتَكوا حُرمَاتِ الدِّينِ مِنْ إذلالِ المُسلمينَ وإفسَادِهم لبيتِ المَقدِس وأخذِهم أموالَ المُسلمينَ وأسْرهم لرجَالِ المُسلمينَ وإخرَاجهم مِنْ أوطانِهم مع ادِّعائهم التَّمسُكَ بالشَّهادَتينِ وبَعضِ شرائعِ الإسلام.

فقالَ في"مجموع الفتاوى" [51] : (كلُّ طائفةٍ مُمتَنعةٍ عن إلتزامِ شريعَةٍ مِنْ شرائِع الإسلامِ الظَّاهِرةِ المُتَواترةِ مِنْ هؤلاءِ القومِ وغيرهِم فإنَّه يَجبُ قِتَالهم حتَّى يَلتَزمُوا شرَائِعَه وإنْ كانوا مع ذلكَ نَاطِقِينَ بالشَّهادَتين، ومُلتَزمِينَ بعضَ شرائعَه، كَمَا قَاتَلَ أبو بكر الصدِّيق والصَّحابة رضيَ اللهُ عنهم مَانِعِي الزَّكاةِ، وعلى ذلكَ إتَّفَقَ الفُقَهَاءُ بعدَهم بعدَ سَابقةِ مُناظرةِ عُمرَ لأبي بكر رضيَ اللهُ عنهُمَا. فاتَّفَقَ الصَّحابة رضيَ اللهُ عنهم على القِتَالِ على حُقوقِ الإسلامِ عَمَلًا بالكتابِ والسُنَّة ... ) .

ثمَّ قالَ: (فأيُّمَا طائفةٍ امتَنَعَتْ مِنْ بعضِ الصَّلواتِ المَفروضاتِ أو الصِّيامِ أو الحجِّ أو عن التزامِ تَحريمِ الدِّماءِ، والأموالِ، والخمرِ، والزِّنا والمَيسر، أو عن نِكاحِ ذَواتِ المَحارمِ، أو عن التزامِ جِهادِ الكفَّارَ، أو ضربُ الجزيَةَ على أهلِ الكتابِ، وغير ذلكَ مِنْ واجباتِ الدِّينِ ومُحرَّماته - التي لا عُذرَ لأحَدٍ في جُحُودِها وتَركِها - التي يَكفرُ الجَاحِدُ لوجُوبِها. فإنَّ الطّائفةّ المُمْتَنِعةَ تُقَاتَلُ عليها وإنْ كانت مُقرَّةً بها، وهذا مِمَّا لا أعلمُ فيه خِلافًا بينَ العُلماءِ ... ) .

ثمَّ قالَ:(مُبينًا مَا اشتَمَلَ عليه عَسكرُ التَّتار مِنْ الكفَّار والمُشركينَ. معَ وجُودِ مَنْ يَنتَسِبُ إلى الإسلامِ مِنهم - وَهُمْ جُمْهُورهم - فقالَ: فإذا تَقرَّرت هذِهِ القاعدةُ فهؤلاءِ القومُ المَسئولُ عنهم عَسكرهم مُشتَملٌ على قومٍ كفَّارٍ مِنْ النَّصارى والمُشركينَ، وعلى قومٍ مُنتَسِبينَ إلى الإسلامِ - وَهُمْ جُمْهُور العسكر - يَنطِقونَ بالشَّهادَتين إذا طُلِبَتْ مِنهم ويُعَظِّمُونَ الرسولَ، وليسَ مِنهم مَنْ يُصلِّي إلاَّ قليلٌ جدًَّا، وصومُ رمضانَ أكثرُ فيهم مِنَ الصَّلاةِ، والمُسلمُ عندَهم أعظمُ مِنْ غيره، وللصالحينَ مِنَ المُسلمينَ عندَهم قدرٌ، وعندَهم مِنَ الإسلامِ بعضَه، وَهُم مُتَفَاوتُونَ فيه، لكنَّ الذي عليه عَامَّتُهم والذي يُقاتِلونَ عليه مُتَضَمِن لتَركِ كثيرٍ مِنْ شرائعِ الإسلامِ أو أكثرَها، فإنَّهم أولًا يُوجبُونَ الإسلامَ ولا يُقَاتِلونَ مَنْ تَرَكَهُ، بلْ مَنْ قَاتَلَ على دَولةِ المَغُولِ عَظَّمُوهُ وتَرَكوهُ وإنْ كانَ كافرًا عَدوًا للهِ ورسولِهِ، وكلُّ مَنْ خَرَجَ عن دَولةِ المَغُولِ أو عليها استَحَلوا قِتَالَه وإنْ كانَ مِنْ خِيارِ المُسلمين. فلا يُجَاهدونَ الكفَّارَ، ولا يُلزمُونَ أهلَ الكتابِ بالجزيةِ والصَّغَار، ولا يَنْهَونَ أحَدًَا مِنْ عسكرهِمِ أنْ يَعبدَ مَا شاءَ مِنْ شمسٍ أو قَمرِ أو غيرَ ذلكَ، بلْ الظَّاهِرُ مِنْ سِيرتِهم أنَّ المُسلمَ عندَهم بمَنزلةِ العَدلِ أو الرَّجلِ الصَّالح أو المُتَطوِّعُ في المُسلمين، والكافرُ عندَهم بمَنزلةِ الفَاسِقِ في المُسلمينَ أو بمَنزلةِ تَاركِ التَّطوّع، وكذلكَ أيضًا عَامَّتُهم لا يُحَرِّمونَ دِماءَ المُسلمينَ وأموالَهَم، إلاَّ أنْ يَنهَاهم عنها سُلطَانُهُم، أي لا يَلتَزمُونَ تَركَهَا، وإذا نَهَاهم عنها أو عن غيرها أطاعُوه لكونِهِ سُلطانًا لا بمُجَرَّدِ الدِّينِ، وعَامَّتُهم لا يَلتَزمُونَ أدَاءَ الواجباتِ؛ لا مِنَ الصَّلاةِ، ولا مِنَ الزكاة، ولا مِنَ الحَجِّ ولا غيرَ ذلكَ، ولا يَلتَزمُونَ الحُكمَ بَينَهم بحُكمِ اللهِ؛ بلْ يَحكمُونَ بأوضاعٍ لهم تُوافِقُ الإسلامَ تارةً وتُخَالفه تارةً أخرى، وإنَّما كانَ المُلتزمُ لشرائعِ الإسلامِ الشيزبرون، وَهوَ الذي أظهَرَ مِنْ شرائعِ الإسلامِ مَا استَفَاضَ عندَ النَّاس، وأمَّا هؤلاءِ فَدَخَلوا فيه ومَا التَزمُوا شرائِعه.

وقِتَالُ هذا الضَّربِ واجبٌ بإجماعِ المُسلمينَ، ومَا يَشكُ في ذلكَ مَنْ عَرَفَ دينَ الإسلامِ وعَرَفَ حَقِيقةَ أمرهِمِ، فإنَّ هذا السِّلم الذي هُم عليه ودِينُ الإسلامِ لا يَجتَمِعان أبدًا، وإذا كانَ الأكرَادُ والأعرابُ وغيرُهُم مِنْ أهلِ البَوَادِي الذينَ لا يَلتَزمُونَ شَريعةَ الإسلامِ يَجبُ قِتَالهُمُ وإنْ لمْ يَتَعدََّ ضَرَرهم إلى أهلِ الأمصَارِ فكيفَ بهؤلاءِ. نَعَمْ يَجبُ أنْ يَسلكَ في قِتَالِهِ المَسلَكَ الشَّّرعي، مِنْ دُعَائِهم إلى التزَامِ شرَائِعِِ الإسلامِ إنْ لمْ تَكنْ الدَّعوةُ إلى الشَّرائِعِ قدْ بَلغَتْهم، كَمَا كانَ الكافرُ الحَربيُّ يُدْعَى أوَلًا إلى الشَّهادَتين إنْ لمْ تَكنْ الدَّعوةُ قدْ بَلَغته).

وَقَالَ شيخُ الإسلامِ - أيضًا - عَنِ التَّتار الذينَ قَدِمُوا الشَّامَ وتَكَلَّمُوا بالشَّهادَتين وانتَسبُوا إلى الإسلامِ ولمْ يَبْقَوا على الكفرِ الذي كانوا عليه في أولِ الأمرِ؛ وَحُكْمُ مَنْ كانَ معهم مِمَّن يَفِرُّ إليهم مِنْ عَسكرِ المُسلمينَ الأمَراءِ وغيرِهِم وحُكمُ مَنْ قدْ أخرَجُوه مَعهم مُكرَهًا وحُكْمُ مَنْ يكونُ مَع عسكرِهِم مِنْ المُنتَسِبينَ إلى العِلمِ والفِقهِ والفَقِرِ والتَّصوّفِ ونَحَو ذلكَ، ومَا يُقالُ في مَنْ زَعَمَ أنَّهُم مُسلِمُونَ، والمُقَاتِلونَ لهم مُسلمونَ وكِلاهما ظالمٌ فلا يُقَاتِلْ مَع أحَدِهِمِا؟

فأجابَ رحِمَهُ اللهُ تعالى في"مجموع الفتاوى" [52] بجَوَابٍ شافٍ وافٍ فقالَ:( ... كلُّ طَائفةٍ خَرَجَتْ عنْ شريعةٍ مِنْ شرائِعِ الإسلامِ الظَّاهِرةِ المُتَوَاتِرةِ فإنَّه يَجبُ قِتَالها باتفَاقِ أئِمَّةِ المُسلمينَ؛ وإنْ تَكَلمَتْ بالشَّهَادَتين. فإذا أقَرُّوا بالشَّهَادَتين وامتَنَعُوا عَنِ الصَّلواتِ الخَمْسِ وَجَبَ قِتَالُهُم حتَّى يُصَلُّوا وإنْ امتَنَعُوا عَنِ الزَّكَاةِ وَجَبَ قِتَالُهُم حتَّى يُؤدُّوا الزَّكاةَ، وكذلكَ إنْ امتَنَعُوا عَنْ ِصيَامِ شهرِ رمَضَانَ أو حَجِّ البيتِ العَتِيقِ، وكذلكَ إنْ امتَنَعُوا عَنْ تَحريمِ الفَوَاحِشِ، أو الزِّنَا، أو المَيْسِر، أو الخَمْر، أو غيرِ ذلكَ مِنْ مُحَرَّماتِ الشَّريعةِ، وكذلكَ إنْ امتَنَعُوا عَنِ الحُكْمِ في الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ والأبْضَاعِ ونَحوهَا بحُكْمِ الكتَابِ والسُنَّةِ، وكذلكَ إنْ امتَنَعُوا عَنِ الأمْرِ بالمَعْروفِ والنَّهِيِّ عَنِ المُنكرِ، وجهَادُ الكفَّارِ إلى أنْ يُسْلِمُوا ويُؤدُّوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُم صَاغِرُونَ، وكذلكَ إنْ أظهَرُوا البِدَعَ المُخَالِفةَ للكتابِ والسُنَّةِ واتِّبَاعِ سَلَفِ الأمَّةِ وأئِمَتِهَا؛ مِثلُ أنْ يُظْهِرُوا الإلْحَاَدَ في أسمَاءِ اللهِ وآياتِهِ، أو التَّكْذيبُ بأسمَاءِ اللهِ وِصفَاتِهِ، أو التَّكْذِيبُ بقَدَِرهِ وقَضَائِهِ، أو التَّكْذِيبُ بِمَا كانَ عليهِ جَمَاعة المُسلمينَ على عَهدِ الخُلفَاءِ الرَّاِشدِينَ، أو الطَّعْنُ في السَّابقِينَ الأوَّلينَ مِنَ المُهَاجرينَ والأنصَارِ والذينَ اتَّبَعُوهم بإحسانٍ، أو مُقاتَلة المُسلمينَ حتَّى يَدْخُلوا في طاعَتِهم التي تُوجبُ الخُرُوجَ عَنْ شريعَةِ الإسلامِ، وأمثالُ هذِهِ الأمُور.

قالَ اللهُ تعالى: {وقَاتِلوهم حتَّى لا تَكونَ فِتْنَة ويكونَ الدِّينُ ُكلَّهُ للهِ} ، فإذا كانَ بَعضُ الدِّينِ للهِ وبَعضَه لغيرِ اللهِ وَجَبَ القِتَالُ حتَّى يكونَ الدِّينُ ُكلَّهُ للهِ، وقالَ تعالى: {ياأيُّها الذينَ آمنُوا اتَّقوا اللهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ ُكنْتُم مُؤمنينَ * فإنْ لمْ تَفْعَلوا فأذَنُوا بحَربٍ مِنَ اللهِ ورسولِهِ} ، وهذِهِ الآيةِ نَزَلتْ في أهلِ الطَّائفِ، وكانوا قدْ أسلمُوا وصلّوا وصامُوا، لكنْ كانوا يَتَعَامَلونَ بالرِّبا. فأنزَلَ اللهُ هذهِِ الآيةِ، وأمَرَ المُؤمنينَ فيها بتَركِ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وقالَ: {فإنْ لمْ تَفْعَلوا فأذَنُوا بحَربٍ مِنَ اللهِ ورسولِهِ} ، وقدْ ُقريءَ {فأذَنُوا} ، {وآذِنُوا} ، وِكلا المَعْنَيين صَحيحٌ، والرِّبا آخرُ المُحَرَّماتِ في القرآن، وَهُوَ مَالٌ يُؤخَذُ بتَرَاِضي المُتَعَامِلِينَ. فإذا كانَ مَنْ لمْ يَنْتَهِ عنه مُحَاِربًَا للهِ ورسولِهِ، فكيفَ بمَنْ لمْ يَنْتَهِ عَنْ غيرهِ ِمنَ المُحَرَّمَاتِ التي هيَ أسْبَقُ تَحِْريْمًَا وأعْظَمُ تَحِْريْمًَا).

إلى إنْ قالَ مُبَينًا إتفاقَ الصَّحابةِ وأئِمَّةِ الدِّينِ على قِتَالِ الطَّائِفةِ الخَاِرجَةِ عَنْ شريعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الإسلامِ المُتَوَاتِرَةِ وإنْ أقَرُّوا بالشَّهادَتَين والصَّلاةِ وغيِر ذلكَ، فقالَ:(ومِمَّنْ قَاتَلَهم الصَّحَابة - معَ إقرَارهم بالشَّّهَادَتَين والصَّلاةِ وغيِر ذلكَ - مَانِعِيِّ الزَّكاةِ، كَمَا في الصَّحِيْحَين؛ عنْ أبي هُريرةَ أنْ عمر بن الخطَّاب قالَ لأبي بكرٍ:"يا خليفةَ رسولِ اللهِ! كيفَ ُتقَاتِلُ النَّاسَ وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؛"أمِرتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهَدُوا أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ، فإذا قَالوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهم وأموَالهم إلاَّ ِبحَقِّها"؟! فقالَ له أبُو بكرَ: ألمْ يَقلْ لكَ؛"إلاَّ ِبحَقِها". فإنَّ الزَّكاةَ مِنْ حَقِّها، واللهِ لو مَنَعُوني عِنَاقًا كانُوا يُؤدُّونَها إلى رسولِ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لقَاتَلتُهُم على مَنْعِها. قالَ عمرُ: فَمَا هُوَ إلاَّ أنْ رَأيْتُ أنَّ اللهَ قدْ شَرَحَ صَدْرَ أبي بكرٍ للقتالِ، فَعَلِمْتُ أنَّه الحقُّ."

وقدْ اتَّفَقَ الصَّحابة والأئِمَّة بَعدَهم على قِتَالِ مَانِعِيِّ الزَّكاةِ وإنْ كانُوا يُصَلونَ الخَمْسَ ويَصُومُونَ شَهرَ رمضان، وهؤلاءِ لمْ يكنْ لهُم شُبْهةٌ سَائِغَةٌ، فلِهذا كانُوا مُرتَدِّينَ، وَهُم يُقَاتَلُونَ على مَنْعِهَا وإنْ أقَرُّوا بالوجُوبِ، كَمَا أَمَرَ اللهُ، وقدْ حُكِيَ عنهُم أنَّهم قالوا: إنَّّ اللهَ أمَرَ نَبيَهُ بأخْذِ الزَّكاةِ بقَولِهِ: {خذْ مِنْ أموَالِهم صَدَقَة} وقدْ سَقَطَتْ بمَوتِهِ.

وكذلكَ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بقِتَالِ الذينَ لا يَنْتَهُونَ عَنْ شُربِ الخَمْر.

وأمَّا الأصلُ الآخَرُ وَهُوَ مَعْرفَة أحوَالهم؛ فقدْ عُلِمَ أنْ هؤلاءِ القَومَ جَازُوا على الشَّامِ في المَرَّةِ الأوُلى: عامَ تِسعةٍ وتِسعِينَ، وأعَطوا النَّاسَ الأمَانَ وقَرَوُؤهُ على المِنْبَر بدِمَشقَ، ومَعَ هذا فقدْ سَبُوا مِنْ ذَرَاري المُسلمينَ مَا يُقالُ أنَّه مَائة ألفٍ أو يَزيدُ عليه، وفَعَلوا ببَيْتِ المَقْدِسِ، وبجَبَلِ الصَّالحِيَّةِ ونَابْلِسَ وحِمْصَ ودَاريَا، وغير ذلكَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْي مَا لا يَعْلمُهُ إلاَّ اللهُ، حتَّى يُقالُ إنَّهم سّبُوا مِنْ المُسلمينَ قَريْبًَا مِنْ مَائةِ ألفٍ، وَجَعَلوا يَفْجُرُونَ بخِيَارِ نِسَاءِ المُسلمينَ في المَسَاجدِ وغيرهَا، كالمَسْجدِ الأقصَى والأمَويُّ وغيرِهِ، وجَعَلوا الجَامَعَ الذي بالعقيبة ِ دَكًَّا.

وقدْ شاهَدْنَا عَسكرَ القَومِ، فرَأينَا جُمْهُورَهم لا يُصَلونَ، ولمْ نَرَ في عَسكرِهِم مُؤَذِنًَا ولا إمَامًَا وقدْ أخَذَوا مِنْ أموَالِ المُسلمينَ وذَرَاريهم وخَرَّبُوا مِنْ دِيَارهِم مَا لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ.

ولمْ يكنْ مَعهم في دَوْلتِهم إلاَّ مَنْ كانَ مِنْ شَرِّ الخَلقِ، إمَّا ِزنْدِيقٌ مُنَافِقٌ لا يَعْتَقدُ دِينَ الإسلامِ في البَاطنِ، وإمَّا مَنْ هُوَ شَرُّ أهلِ البِدَعِ كالرَّافِضَةِ والجَهمِيَّةِ والإتِحَادِيَّةِ ونَحوهم، وإمَّا مَنْ هُوِ مِنْ أفْجَرِ النَّاسِ وأفِسَقِهم، وهُمْ في بلادِهِم مَعَ تَمَكُنِهِم لا يَحُجُّونَ البَيتَ العَتِيق، وإنْ كانَ فِيهم مَنْ يُصَلي وَيَصُوم فَلَيسَ الغَالبُ عَليهم إقامُ الصَّلاةِ ولا إيتَاءِ الزَّكاةِ.

وهُم يُقَاتِلونَِ على مُلكِ ِجنْكِسْخَان. فمَنْ دَخَلَ في طاعَتِهم جَعَلوهُ وَليًَّا لهم وإنْ كانَ كافرًا، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذلكَ جَعَلوُهُ عَدوًَّا لهم وإنْ كانَ مَنْ خِيَارِ المُسلمينَ، ولا يُقَاتِلونَ على الإسلامِ ولا يَضَعُونَ الِجزيَةَ والصَّغَارَ؛ بلْ غاية كثيرٍ مِنَ المُسلمينَ مِنهم مِنْ أكابر أمَرَائِهم وَوُزَرَائِهم أنْ يكونَ المُسلمُ عِندَهم كَمَنْ يُعَظِمُونَه مِنَ المُشركينَ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى؛ كَمَا قالَ أكبَرُ مَقدِمِيهم الذينَ قدِمُوا إلى الشَّام، وَهُوَ يُخَاطِبُ رُسلَ المُسلمينَ ويَتَقرَّبُ إليهم بأنَّا مُسلِمُونَ؛ فقالَ هَذَان آيَتَان عَظِيمَتَان جَآءَا مِنْ عِندِ اللهِ مُحمَّدُ وَِجنْكِسخَان. فهَذا غَاية مَا يَتَقَرَّبُ بهِ أكبرُ مَقدِمِيهم إلى المُسلمينَ، أنْ يُسَوِّيَ بينَ رسولِ اللهِ وأكرمُ الخَلقِ عليه وَسَيِّدُ وَلدِ آدمَ وَخَاتَمُ المُرسَلينَ وَبَينَ مَلكٍ كافرِ مُشركٍ مِنْ أعظمِ المُشركينَ ُكفرًَا وَفَسَادًَا وَعُدْوَانًا مِنْ ِجنْسِ بَختَنصر وأمثالِهِ) .

ثمَّ قالَ:(فَهَذا وأمثاله مِنْ مَقدِمِيهم كانَ غَايَته بَعدَ الإسلامِ أنْ يَجعَلَ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَنزلةِ هذا المَلعُون، وَمَعلومٌ أنَّ مُسَيلمة الكذَّابَ كانَ أقلُّ ضَرَرًَا على المُسلمينَ مِنْ هذا، وادَّعَى أنَّه شَريكُ مُحمَّدَ في الرِّسالةِ، وبهذا استَحَلَّ الصَّحابة قِتَاله وَقِتَالِ أصحَابِهِ المُرتَدِّينَ. فكيفَ بمَنْ كانَ فِيمَا يُظهرُهُ مِنَ الإسلامِ يَجْعَلُ مُحمَّدًا كِجنْكِسْخَان؟! وإلاَّ فَهُم مَعَ إظهَارهِم للإسلامِ يُعَظِّمُونَ أمرَ ِجنْكِسخَان على المُسلمينَ المُتَّبعِينَ لشَريعةِ القرآنِ، ولا يُقاتِلونَ أولئِكَ المُتَّبعِينَ لِمَا سَنَّهُ ِجْنكِسْخَان كَمَا يُقاتِلونَ المُسلمينَ بلْ أعظمُ.

أولئِكَ الكفَّارُ يَبذلونَ له الطَّاعةَ والإنقِيادِ، ويَحْمِلونَ إليهِ الأموَالَ، ويُقِرُّونَ له بالنِيَابَةِ، ولا يُخَالِفونَ مَا يَأمُرُهُم بِهِ إلاَّ كَمَا يُخَالِفُ الخَارجُ عَنْ طاعةِ الإمَامِ للإمَامِ، وهُم يُحَاِربُونَ المُسلمينَ وَيُعَادُونهم أعظمَ مُعَادَاةٍ، وَيَطلبُونَ مِنَ المُسلمينَ الطَّاعةَ لهم وَبَذلُ الأموَالِ، والدُّخُولُ فيمَا وَضَعَه لَهم ذلكَ المَلِكُ الكَافِرُ المُشركُ المُشابِهِ لِفِرعَونَ أو النَّمْرُوذِ ونَحوهِمَا؛ بلْ هُوَ أعظمُ فَسَادًَا في الأرضِ مِنهُما قالَ اللهُ تعالى: {إنَّ فِرْعَونَ عَلا في الأرضِ وَجَعَلَ أهلهَا ِشيَعًَا يَسْتَضِعِفُ طائِفةً مِنهُم يُذَبِّحُ أبنَاءَهم وَيَسْتَحْيي نِسَاءَهم إنَّه كانَ مِنَ المُفسِدِينَ} ، وهذا الكَافرُ عَلا في الأرضِ؛ يَسْتَضِعِفُ أهلَ المِللِ كلِهم مِنَ المُسلمينَ واليَهودِ والنَّصارى وَمَنْ خَالفَه مِنَ المُشركينَ ِبقتلِ الرِّجَالِ وَسَبيِّ الحَريمِ وَبأخذِ الأموالِ، وَبهَلكِ الحَرثِ وَالنَّسلِ واللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ، ويَرُدُّ النَّاسَ عَمَّا كانوا عليهِ مِنْ سُننِ الأنبيَاءِ والمُرسلينَ إلى أنْ يَدْخُلوا فِيمَا ابْتَدَعَه مِنْ ُسنَّتِهِ الجَاهِليَّةِ وَشَريعَتِهِ الكفريَّةِ.

فَهُم يَدَعُونَ دِينَ الإسلامِ ويُعَظِّمُونَ ِدينَ أولئِكَ الكُفَّارَ على دِينِ المُسلمينَ، ويُطِيعُونَهم وَيُوَالونَهم أعظمُ بكثيرٍ مِنْ طاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَمُوَالاةِ المُؤمنينَ، والحُكمُ فِيمَا شَجَرَ بَينَ أكابرهِم ِبحُكمِ الجَاهِلِيَّةِ، لا ِبحُكمِ اللهِ ورسولِهِ، وكذلكَ الأكابرُ مِنْ وُزَرَائِهم وغيرِهِم يَجْعَلونَ دِينَ الإسلامِ كدِينِ اليَهودِ والنَّصارى، وأنَّ هذِهِ كلَّها طرقٌ إلى اللهِ، ِبمَنْزلةِ المَذَاهِبِ الأربَعَةِ عِندَ المُسلمينَ.

ُثمَّ مِنهم مَنْ يُرَجِحُ ِدينَ اليَهودِ أو ِدينَ النَّصارى، وَمِنهم مَنْ يُرَجِحُ ِدينَ المُسلمينَ، وَهذا القولُ فَاشٍ غَالبٍ فيهم. حتََّى في ُفقَهَائِهم وَعُبَادِهم لاسِيمَا الجَهْمِيَّة مِنَ الإتِحَادِيَّةِ الفِرعَونِيَّةِ وَنَحوهم، فإنَّه غَلَبَتْ عَليهم الفَلسَفة، وهذا مَذهَبُ كثيرٍ مِنَ المُتَفَلسِفةِ أو أكثرهم، وعلى هذا كثيرٌ مِنَ النَّصارى أو أكثرهم، وكثيرُ مِنَ اليَهودِ أيضًا، بلْ لو قالَ القائلُ: إنَّ غَالبَ خَواصِّ العُلماءِ مِنهم والعُبَّادِ على هذا المَذهَبِ لمَا أبْعَدَ، وقدْ رَأيتُ مِنْ ذلكَ وَسَمِعْتُ مَا لا يَتَّسِعُ له هذا المَوضِع ومَعلومٌ بالإضطِرار مِنْ دِينِ المُسلمينَ وباتفاقِ جميع المُسلمينَ أنَّ مَنْ سَوَّغَ أتِّباع غيرَ دِين الإسلامِ أو أتِّباعُ شريعةٍ غير شريعةِ مُحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فهُوَ كافرٌ، وَهُوَ كَكُفر مَنْ آمنَ ببعضِ الكتابِ وَكَفَرَ ببعضِ الكتابِ، كَمَا قالَ تعالى: {إنَّ الذينَ يَكفرُونَ باللهِ ورُسُلِهِ ويُريدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بينَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقولونَ نُؤمنُ ببعضٍٍ وَنَكفرُ ببعضٍ ويُريدُونَ أنْ يَتَّخِذوا بَينَ ذلكَ سَبيَلًا أولئِكَ هُم الكافرونَ حقًَّا وأعتَدْنَا للكافرينَ عذابًا مُهينًَا} ، واليَهودُ والنَّصارى دَاخِلونَ في ذلكَ، وكذلكَ المُتَفَلسِفة يُؤمنونَ ببعضٍ ويَكفرُونَ ببَعضٍ، ومَنْ تَفَلسَفَ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى يَبقى ُكفْرُهُ مِنْ وَجهَين، وهؤلاءِ أكثرُ وُزَرَائِهم الذينِ يَصْدُرُونَ عَنْ رأيهِ غَايتُهُ أنْ يَكونَ مِنْ هذا الضَّربِ، فإنَّه كانَ يَهودِيًَّا مُتَفَلسِفًَا، ثمَّ انْتَسَبَ إلى الإسلامِ معَ مَا فيه مِنَ اليَهُودِيَّةِ والتَفَلسُفِ وَضُمَّ إلى ذلكَ الرَفضُ. فهذا هُوَ أعظمُ مَنْ عِندَهم مِنْ ذَوي الأقلامِ، وذاكَ أعظمُ مَنْ كانَ عِندَهم مِنْ ذَوي السَّيفِ. فَليَعْتَبرَ المُؤمِنُ بهذا.

وبالجُمْلةِ فمَا مِنْ نِفَاقٍ وَزَنْدَقةٍ وَإلحَادٍ إلاَّ وَهيَ دَاخلةٌ في أتْبَاع التَّتَار، لأنَّهم مِنْ أجْهلِ الخَلقِ وَأقَلِّهم مَعرفةً بالدِّين، وأبعَدَهم عَنْ أتِّبَاعِهِ، وأعظمُ الخَلقٍ اتِّبَاعًَا للظَّنِّ ومَا تَهوَى الأنفُس) .

ثمَّ تَكَلمَ شيخُ الإسلامِ عَمَّنْ يَنْضمُ إلى صُفُوفِ التَّتَارِ وعسكرهِم ويُقَاتلُ مَعَهم فقالَ:(فَمَنْ قَفَزَ عنْهُم إلى التَّتَارِ كانَ أحَقُّ بالقِتَالِ مِنْ كثيرٍ مِنَ التَّتَار، فإنَّ التَّتَارَ فيهم المُكْرَهُ وغيرُ المُكْرَه، وقدْ اسْتَقَرَتْ السُنَّة بأنَّ عُقُوبَة المُرتَدِّ أعظمُ مِنْ عُقُوبَةِ الكافِر الأصليِّ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِدِةٍ. مِنها أنَّ المُرتدَّ يُقتلُ بكلِّ حَالٍ، ولا يُضْربُ عليه ِجزيَة، ولا ُتعْقدُ له ِذمَّة، بخِلافِ الكافِر الأصلي، ومِنها أنَّ المُرتدَّ يُقتلُ وإنْ كانَ عَاجزًَا عَنِ القِتالِ، بخِلافِ الكافِر الأصليِّ الذي ليسَ هوَ مِنْ أهلِ القِتَالِ، فإنَّه لا يُقتلُ عندَ أكثرِ العُلماءِ كأبي حَنيفة ومالك وأحمد؛ ولِهذا كانَ مَذهبُ الجُمهُوِر أنَّ المُرتدَّ يُقتلُ كَمَا هُوَ مَذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، ومِنها أنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ ولا يُنَاكحُ ولا ُتؤكلُ ذبيحَته. بخِلافِ الكافِر الأصليِّ، إلى غيِر ذلكَ مِنَ الأحَكام.

وإذا كانت الِردَّةُ عَنْ أصلِ الدِّينِ أعظمُ مِنَ الكفِر بأصلِ الدِّين، فالِردَّةُ عَنْ شَرائِعِهِ أعظمُ مِنْ خُرُوجِ الخَاِرج الأصليِّ عَنْ شَرائِعِهِ؛ ولِهذا كانَ كلُّ مُؤمِنٍ يَعرفُ أحوالَ التَّتَارِ، ويَعلمُ أنَّ المُرتدِّينَ الذينَ ِفيهم مِنَ الفُرسِ والعربِ وغيرِهِم شَرٌّ مَنَ الكفَّارِ الأصلِيينَ مِنَ التُركِ ونَحوهم وَهُم بعدَ أنْ تَكَلَمُوا بالشَّهادَتينِ معَ تَركِهم لكثيرٍ مِنْ شَرائِع الدِّينِ خَيرٌ مِنَ المُرتدِّينَ مِنَ الفُرسِ والعَربِ وغيرِهِم، وبهذا يَتَبَينُ أنَّ مَنْ كانَ مَعهم مِمَّنْ كانَ مُسلمُ الأصلِ هُوَ شَرٌّ مِنَ التُركِ الذينَ كانُوا ُكفَارًَا، فإنَّ المُسلمَ الأصليُّ إذا ارتَدَّّ عَنْ بَعضِ شَرَائِعِهِ، كانَ أسوأ حَالًا مِمَّنْ لمْ يَدْخُلْ بَعدُ في تِلكَ الشَّرائِعِ، مِثلُ مَانِعِيِّ الزَّكاةِ وأمثالِهِم مِمَّنْ قَاتَلهم الصِّدِّيق، وإنْ كانَ المُرتَدُّ عَنْ بعضِ الشَّرائِعِ ُمتَفَقِّهًَا أو ُمَتَصوِّفًا أو تَاِجرًَا أو كاتِبًَا أو غيرَ ذلكَ، فهؤلاءِ شَرٌّ مِنَ التُركِ الذينَ لمْ يَدْخُلوا في تِلكَ الشَّرائِعِ وأصَرُّوا على الإسلامِ، وِلهذا يَجدُ المُسلمونَ ِمنْ ضَرَرِ هؤلاءِ على الدِّينِ مَالا يَجدُونَه مِنْ ضَرَرِ أولئِكَ، وَيَنْقادُونَ للإسلامِ وشَرَائِعِهِ وطَاعةِ اللهِ ورسولِهِ أعظمُ مِنْ انقِيَِادِ هؤلاءِ الذينَ ارتَدُّوا عَنْ بعضِ الدِّينِ، وَنَافقوا في بَعضِهِ، وإنْ تَظَاهَرُوا بالإنْتِسَابِ إلى العِلمِ والدِّين.

وغايةُ مَا يُوجَدُ مِنْ هؤلاءِ يَكونُ مُلحِدًَا: نُصَيْريًَّا أو إسمَاعِيلِيًَّا، أو رَافِضِيًَّا، وَخِيَارُهُم يَكونُ جَهْمِيًَّا اتِّحَادِيًَّا أو نَحوَهُ، فإنَّه لا يَنْضَمُ إليهم طَوَعًَا مِنَ المُظهرينَ للإسلامِ إلاَّ مُنَافِقٌ أو ِزنْدِيقٌ أو فاسِقٌ فاجرٌ، ومَنْ أخرَجُوهُ مَعَهم مُكْرَهًَا فإنَّه ُيبْعَثُ على نِيَّتِهِ، ونَحَنُ علينَا أنْ ُنقاتِلَ العَسْكرَ جَمِيعَهُ إذ لا يَتَمَيَّزُ المُكْرَهُ مِنْ غيرِهِ).

ثمَّ شَرَعَ شيخُ الإسلامِ في بَيانِ حُكْمِ المُكْرَهِ على قِتَالِ المُسلمينَ مَعَ الطَّائِفةِ الخَارجَةِ أو المُمْتَنِعَةِ عَنْ شَرائِعِ الإسلامِ مُبَيِّنًَا أنَّ الوَاجبَ على المُسلمينَ أنْ يُقاتِلوا الطَّائِفةَ الخَارجَةَ عَنِ الدِّينِ ولو كانَ فِيهم المُكْرَهُ الذي أخْرَجُوهُ لَيُقاتِلَ مَعهم، مُوَضِّحًَا أنَّ كلَّ مَنْ قَاتَلَ في صَفِّ الكفَّارِ أو خَرَجَ مَعَ عَسْكر الطَّائِفِةِ الخَاِرجَةِ عَنْ شَرائِعِ الإسلامِ أنَّه يَجبُ قِتَالُهُ باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ وأنَّ قِتِالَهُ مِنْ ِجنْسِ قِتَالِ المُرتَدِّينَ لأنَّ ظَاهِرَهُ على المُسلمينَ مَادامَ خَرَجَ مُقاتِلًا في صَفِّ المُشركينَ أو المُرتدِّينَ، فقالَ: (وقدْ ثبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قالَ:"يَغزُو هذا البيتَ جَيشٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَينَمَا هم َِببَيدَاءٍ مِنَ الأرضِ إذ خُسِفَ بهم". فقيلَ يا رسولَ اللهِ! إنَّ فيهم المُكْرَهُ؟! فقالَِ:"يُبْعَثونَ على ِنيَّاتِهم"، والحديثُ مُسْتَفِيضٌ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدِةٍ، أخرَجَهُ أربَابُ الصَّحِيحِ عَنْ عَائشة، وحَفْصَة وأمُّ سَلمَة. ففي صَحِيحِ مُسلمٍ عَنْ أمِّ سَلَمَة، قالت: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:"يَعُوذُ عَائِذ بالبيتِ، فيُبْعَثُ إليه بَعْثٌ فإذا كانوا ِبَبيدَاءٍ مِنَ الأرضِ خُسِفَ بهم". فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! فكيفَ ِبمَنْ كانَ كَاِرهًَا؟ قالَ:"يُخْسَفُ بهِ مَعَهم، ولكنَّه يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ على نِيَّتِهِ"، وفي الصَّحِيحَين عَنْ عَائشة، قالتَ: عَبثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَنَامِهِ، فقلنَا: يا رسولَ اللهِ! صَنَعتَ شيئًَا في مَنَامِكَ لمْ تكنْ تَفْعَله، فقالَ:"العَجَبُ! إنَّ نَاسًَا مِنْ أمَّتي يَؤمُونَ هذا البيتَ ِبرجُلٍ مِنْ قريشٍ وقدْ لجَأ إلى البيتِ، حتَّى إذا كانوا بالبَيدَاءِ خُسِفَتْ بهم". فقلنا: يا رسولَ اللهِ! إنَّ الطَّريقَ قدْ يَجمعُ النَّاسَ، قالَ:"نَعَم، ِفيهمُ المُسْتَنْصِرُ، والمَجْنُونُ، وابنُ السَّبيلِ، فيَهْلِكونَ مَهْلِكًا وَاحِدًَا، ويَصدُرونَ مَصَادِر شَتَّى، يَبْعَثهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ على ِنيَّاتِهم"، وفي لفظٍ للبُخاريِّ، عَنْ عَائِشة، قالتَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:"يَغْزُو جَيشٌ الكَعبَة فإذا كانوا ِببَيدَاءَ مِنَ الأرضِ يُخْسَفُ بأوَّلِهم وآخِرهِم". قالتَ: قلتُ: يَا رسولَ اللهِ! كيفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهم وآخِرهِم وفِيهم أسْوَاقهم وَمَنْ ليسَ مِنهم؟! قالَ:"يُخْسَفُ بأوَّلِهم وآخِرهِم ُثمَّ يُبْعَثونَ على نِيَّاتِهم"، وفي صَحِيحِ مُسلم عَنْ حَفْصَة، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ:"سَيَعُوذ بهذا البيتِ - يَعْنِي الكعْبَة - قومٌ ليسَتْ لهم مَنَعَة، ولا عَدَدٌ، ولا عُدَّةٌ، يُبْعَثُ إليهم جَيشٌ يَومَئِذٍََََ حتَّى إذا كانُوا ِبَبيدَاءَ مِنَ الأرضِ خُسِفَ ِبهم". قالَ يُوسفُ بن مَاهك: وأهلُ الشَّامِ يَومَئِذٍ يَسِيرُونَ إلى مَكَّة، فقالَ عبد الله بن صفوان: أمَا واللهِ مَا هُو بهذا الجَيش.

فاللهُ تعالى أهلَكَ الجَيشَ الذي أرَادَ أنْ يَنْتَهكَ حُرمَاتِهِ - المُكْرَهُ فيهم وغير المُكْرَهِ - مَعَ ُقدْرَتِهِ على التَّمْييز بَينَهم، مَعَ أنَّه يَبْعَثهم على نِيَّاتِهم. فكيفَ يَجبُ على المُؤمنينَ المُجاهدينَ أنْ ُيمَيِّزُوا بَينَ المُكْرَهِ وَغَيرهِ، وَهُم لا يَعْلمُونَ ذلكَ؟! بلْ لو ادَّعَى أنَّه خَرَجَ مُكْرَهًَا لمْ يَنْفَعه ذلكَ بمُجَرَّدِ دَعوَاه، كَمَا رُويَ: أنَّ العبَّاسَ بن عبد المطَّلبِ قالَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا أسَرَهُ المُسلمونَ يَومَ بدرٍ: يا رسولَ اللهِ إنَّي كنتُ مُكْرَهًَا. فقالَ:"أمَّا ظَاهِرُكَ فكانَ علينَا، وأمَّا سَريرَتُكَ فإلى اللهِ". بلْ لو كانَ فيهم قومٌ صالحونَ مِنْ ِخيَار النَّاسِ ولمْ يُمْكن ِقتَالهم إلاَّ ِبقتلِ هؤلاءِ لَقُتِلوا أيضًا، فإنَّ الأئِمَّةَ مُتَفِقونَ على أنَّ الكفَّارَ لو تَتَرَّسُوا بمُسلمينَ وَخِيفَ على المُسلمينَ إذا لم ُيقَاتَلوا، فإنَّه يَجُوزُ أنْ نَرمِيَهم وَنَقصِد الكفَّار، ولو لمْ نَخَفْ على المُسلمينَ جَازَ رَميُ أولئِكَ المُسلمينَ أيضًا في أحَدِ قوليّ العُلماء، ومَنْ ُقتِلَ لأجلِ الِجهَادِ الذي أمَرَ اللهُ بهِ ورسولِهُ - هوَ في البَاطِنِ مَظلومٌ - كانَ شَهيدًَا وَبُعِثَ على نِيَّتِهِ، ولمْ يكنْ قَتْلُهُ أعظمُ فسَادًَا مِنْ قتلِ مَنْ يُقتَلُ مِنَ المُؤمنينَ المُجَاهدين.

وإذا كانَ الِجهادُ واجبًَا وإنْ ُقتلَ مِنَ المُسلمينَ مَا شَاءَ اللهُ، فَقتْلُ مَنْ ُيقْتَلُ في صّفِّهم مِنَ المُسلمينَ لحَاجةِ الجهادِ ليسَ أعظمُ مِنْ هذا، بلْ قدْ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُكْرَهَ في ِقتَالِ الفِتنَةِ بكَسْرِ سَيْفِهِ، وليسَ له أنْ ُيقاتِلَ، وإنْ ُقتِل، كَمَا في صَحِيح مُسلم، عَنْ أبي بَكرَة قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:"إنَّها سَتَكونُ ِفتَنٌ ألا َثمَّ تكونُ ِفتَنٌ، ألا َثمَّ تكونُ ِفتَنٌ، القاعِدُ فيها خَيرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي فيها خَيرٌ مِنَ السَّاعِي. ألا فإذا نَزَلتْ - أو وَقعَت - فَمَنْ كانَ له إبلٌ فليَلحَقْ بإبلِهِ، ومَنْ كانت له غَنَمٌ فليَلحَقْ بغَنَمِهِ، ومَنْ كانت له أرضٌ فليَلحَقْ بأرضِهِ"، قالَ: فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! أرَأيتَ مَنْ لمْ يكنْ له إبلٌ، ولا غَنَمٌ، ولا أرضٌ؟ قالَ:"يَعْمَدُ إلى سَيفِهِ فَيَدُقُ على حَدِّهِ بحَجَرٍ , ُثمَّ لِيَنْجُ إنْ استَطاعَ النَّجَاة. اللهمَّ هلْ بَلَّغْتْ، اللهمَّ هلْ بَلَّغْتْ، اللهمَّ هلْ بَلَّغْتْ"، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أرَأيتَ إنْ أكِْرهْتُ حتَّى يُنْطَلقُ بيَّ إلى إحدَى الصَّفَين أو - إحدَى الفِئَتيَن - فَيَضْربَنِي رجلٌ بسَيْفِهِ، أو بسَهْمِهِ فَيَقتُلنِي؟ قالَ:"يَبُوءُ بإثمِهِ وإثمِكَ ويكونُ مِنْ أصحَابِ النَّار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت