الصفحة 11 من 15

ففِي هذا الحَديثِ أنَّه نَهَى عَنِ القِتَالِ في الفِتْنَةِ، بلْ أمَرَ بمَا يَتَعْذَّرُ مَعَه القِتَالُ مِنَ الإعتِزَالِ، أو إفسَادِ السِّلاحِ الذي يُقاتَلُ بهِ، وقدْ دَخَلَ في ذلكَ المُكْرَهُ وغيرُهُ. ُثمَّ بَيَّنَ أنَّ المُكْرَهَ إذا ُقتِلَ ُظلمًَا كانَ القَاتِلُ قدْ بَاءَ بإثمِهِ وإثمِ المَقتُولِ، كَمَا قالَ تعالى في قِصَّةِ ابْنَي آدَمَ عَنِ المَظلومِ: {إنَّي أريدُ أنْ تَبُوءَ بإثمِي وإثمِكَ فَتَكونَ مِنْ أصحَابِ النَّاِر وذلكَ جَزَاءُ الظَّالمِين} ، ومَعلومٌ أنَّ الإنسانَ إذا صَالَ صَائِلٌ على نَفسِهِ جَازَ له الدَّفعُ بالسُنَّةِ والإجمَاعِ، وإنَّما تَنَازَعُوا هلْ يَجبُ عليه الدَّفعُ بالقِتَالِ؟ على قولين، هُمَا ُروَايَتَان عَنْ أحمد: إحدَاهُمَا؛ يَجبُ الدَّفعُ عَنْ نَفسِهِ ولو لمْ يَحْضُرِ الصَفَّ، والثانِيَة؛ يَجُوزُ له الدَّفعُ عَنْ نَفسِهِ، وأمَّا الإبْتِدَاءُ بالقِتَالِ في الفِتْنَةِ فلا يَجُوزُ ِبلا رَيبٍ، والمَقصُودُ أنَّه إذا كانَ المُكْرَهُ على القِتَالِ في الفِتْنَةِ ليسَ له أنْ يُقَاتِلَ، بلْ عليهِ إفسَادُ ِسلاحِهِ وأنْ يَصْبرَ حتَّى يُقتَلُ مَظلومًَا، فكيفَ بالمُكْرَهِ على قِتَالِ المُسلمينَ مَعَ الطَّائِفةِ الخَارجةِ عَنْ شَرَائِع الإسلامِ؟! كمَانِعِيِّ الزَّكاةِ والمُرتَدِّينَ ونَحوهم، فلا رَيبَ أنَّ هذا يَجبُ عليهِ إذا أُكِْرهَ على الحُضُوِر أنْ لا يُقاتِل، وإنْ قَتَلَهُ المُسلمونَ، كَمَا لو أكْرَهَهُ الكفَّارُ على حُضُوِر صَفِّهم لِيُقَاتِلَ المُسلمينَ، وكَمَا لو أكْرَهَ رجلٌ رجلًا على قَتْلِ مُسلمٍ مَعصومٍ، فإنَّه لا يَجُوزُ له قَتْلَه باتِّفاقِ المُسلمينَ، وإنْ أكْرَهَهُ بالقَتْلِ، فإنَّه ليسَ ِحفْظُ نَفسِهِ ِبقَتْل ذلكَ المَعصومِ أوَلى مِنَ العَكْس. فليسَ له أنْ يَظلِم غيرَهُ فَيَقتُله لِئَلاَّ يُقتَل هُوَ، بلْ إذا فَعَلَ ذلكَ كانَ القودُ على المُكِْرهِ والمُكْرَهِ جَميعًا عندَ أكثِر العُلماءِ، كأحمد ومالك والشَّافعيِّ في أحَدِ قوليه، وفي الآخَِر يَجبُ القودُ على المُكِْرهِ فقط كقول أبي حنيفة ومحمَّد، وقيلَ: القودُ على المُكِْرهِ المُبَاشِر، كَمَا ُرويَ ذلكَ عَنْ زفر، وأبو يوسف يُوجبُ الضَّمانُ بالدِّيَةِ، بَدَلَ القودِ، ولمْ يُوِجبْه، وقدْ رَوَىَ مُسلمُ في صَحِيحِهِ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قِصَّةَ أصحَابِ الأخدُودِ وفيها:"أنَّ الغُلامَ أمَرَ ِبقتِلِ نَفسِهِ لأجلِ مَصْلحةِ ُظهُوِر الدِّين"، ولهذا جَوَّزَ الأئِمَّة الأربَعَة أنْ يَنْغَمِسَ المُسلمُ في صَفِّ الكفَّار، وإنْ غَلَبَ على ظَنِّهِ أنَّهم يَقتُلونَهُ، إذا كانَ في ذلكَ مَصْلِحَة للمُسلمينَ، وقدْ بَسَطْنَا القولَ في هذِهِ المَسْألةِ في مَوضِعٍ آخر.

فإذا كانَ الرَّجلُ يَفْعلُ مَا يَعْتَقِدُ أنَّه يُقتَلُ به لأجلِ مَصلَحَةِ الجهادِ، معَ أنَّ قََتَلَهُ نَفْسَهُ أعظمُ مِنْ قَتَلِهِ لِغيِرهِ، كانَ مَا يُفضِي إلى قَتَلِ غَيِرهِ لأجلِ مَصلحَةِ الدِّين التي لا تَحصُلُ إلا بذلكَ، وَدَفعُ ضَرَرِ العَدُّو المُفسِدُ للدِّين والدُنيَِا الذي لا يَنْدَفِعُ إلاَّ بذلكَ أوَلى، وإذا كانت السُنَّة والإجماعُ مُتَفِقَيْنِ على أنَّ الصَائِلَ المُسلمَ إذا لمْ يَنْدَفِعُ صَوْلهُ إلاَّ بالقَتلِ ُقتِلَ، وإنْ كانَ المَالُ الذي يَأخُذَه قِيرَاطًا مِنْ ِدينَار. كَمَا قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، في الحَدِيثِ الصَّحِيح:"مَنْ ُقتِلَ دُونَ مَالِهِ فهُوَ شَهيدٌ، ومَنْ ُقتِلَ دُونَ دَمِهِ فهُوَ شَهيدٌ، ومَنْ ُقتِلَ دُونَ حَرَمِهِ فهُوَ شَهيدٌ". فكيفَ ِبقِتَالِ هؤلاءِ الخَاِرجينَ عَنْ شَرائِعِ الإسلامِ المُحَاربينَ للهِ ورسولِهِ، الذينَ صَولهم وَبَغيُهُم أقلُّ مَا فيهم. فإنَّ قِتَالَ المُعْتَدِينَ الصَائِلينَ ثابتٌ بالسُنَّةِ والإجماعِ، وهؤلاءِ مُعْتَدُونَ صَائِلونَ عَنِ المُسلمينَ، في أنفُسِهِم، وأموَالِهِم، وَحُرَمِهِم، ودِيْنِهِم، وكلٌّ مِنْ هذِهِ ُيبْيحُ قِتَالَ الصَائِلِ عليها، ومَنْ ُقتِلَ دُونَها فهُوَ شَهيدٌ، فكيفَ بمَنْ قَاتَلَ عليها كلِّهَا، وَهُمُ مِنْ شَرِّ البُغَاة المُتَأوِّلينَ الظَّالِمين) أهـ.

ُقلتُ: والحَاصلُ أنَّ مَنْ قَاتَلَ معَ الطَّائِفةِ الخَارجَةِ عَنْ شَريعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الإسلامِ الظَّاهِرةِ المُتَوَاتِرةِ فإنَّه يَجبُ ِقتَالهُ باجماعِ أهلِ العِلمِ وَيُقَاتَلُوُنَ ِقتَالَ المُرتَدِّينَ لا ِقتَالِ البُغَاةِ المُتَأوِّلينَ، وحُكْمُ آحَادِهِم كَحُكْمِ ُرؤسَائِهِم، وعليه فإنَّ الجُنُودَ والعَسْكَرَ الذينَ ُيقَاتِلونَ في سَبيلِ الحُكَّامِ المُرتَدِّينَ أنَّه يَجبُ ِقتَالُهُم باتِّفاقِ أئِمَّةِ المُسلمينَ الذينَ ُيعْتَدُّ ِبِوفَاقِهِم وخِلافِهِم، وَِقتَالُهُم مِنْ ِجنْسِ ِقتَالِ المُرتدِّينَ.

ولذلكَ قالَ شيخُ الإسلامِ ُمبَيِّنًَا أنَّ ِقتَالَ مَنْ انْتَسَبَ إلى صَفِّ التَّتَارِ مِمَّنْ فَرَّ إليهم مِنْ عَسْكرِ المُسلمينَ الأمَرَاءِ وغَيرِهِم أنَّه ُيقَاتَلُ ِقتَالَ المُرتَدِّينَ، وَخَطَّأ مَنْ زَعَمَ أنَّهم ُيقَاتَلُونَ ِقتَالَ البُغَاةِ المُتَأوِّلين.

فقالَ في"مجموع الفتاوى" [53] : (لكنَّ مَنْ زَعَمَ أنَّهم ُيقَاتَلُونَ كَمَا ُتقَاتَلُ البُغَاةُ المُتَأوِّلونَ فقدْ أخْطَأ خَطَأً قَبِيْحًَا، وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًَا، فإنَّ أقلَّ مَا في البُغَاةِ المُتَأوِّلينَ أنْ يكونَ لهم تَأويلٌ سَاَئِغٌ خَرَجُوا به، ولهذا قالوا: إنَّ الأمامَ يُرَاسِلهم فإنْ ذَكَرُوا ُشبْهَةً بَيَّنَهَا، وإنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً أزَالها، فأيُّ ُشبْهَةٍ لهؤلاءِ المُحَاربينَ للهِ ورسولِهِ، السَّاعِينَ في الأرضِ فَسَادًَا، الخَارجينَ عَنْ شَرَائِعِ الدِّين، ولا رَيبَ أنَّهم لا يَقولونَ أنَّهم أقومَ بدِين الإسلامِ عِلمًَا وَعَمَلًا مِنْ هذِهِ الطَّائِفة، بلْ هُمْ معَ دَعْوَاهم الإسلامِ يَعْلَمُونَ أنَّ هذِهِ الطَّائفةَ أعلمُ بالإسلامِ مِنهم، وَأتبَعُ له مِنهم، وكلُّ مَنْ تحتَ أدِيْمِ السَّماءِ مِنْ مُسلمٍ وكافرٍ يَعلمُ ذلكَ، وَهُم مَعَ ذلكَ يُنْذِرُونَ المُسلمينَ بالقِتَالِ، فامْتَنَعَ أنْ تكونَ لهم ُشبْهَة بَيَّنَة يَستَحِلونَ بها ِقتَالَ المُسلمينَ، كيفَ وَهُمْ قدْ سَبُوُا غَالبَ حَريمِ الرَّعيَّةِ الذينَ لمْ يُقَاتِلوهم؟! حتَّى أنَّ النَّاس قدْ رَأوهم يُعَظِّمُونَ البُقعَةَ ويأخُذونَ مَا فيها مِنَ الأموَالِ، وَيُعَظِّمونَ الرَّجُلَ وَيَتَبَرَّكونَ بهِ وَيَسْلِبُونَه مَا عليه مِنَ الثيابِ، وَيَسْبُونَ حَريمَه، ويُعَاقِبُونَه بأنواعِ العُقوبَاتِ التي لا يُعَاقبُ بها إلاَّ أظلمَ النَّاسِ وأفجَرَهم، والمُتَأوِّلُ تَأويَلًا دِينِيًَّا لا يُعَاقِبُ إلاَّ مَنْ يَرَاهُ عَاصيًَا للدِّين، وَهُم يُعَظِّمونَ مَنْ يُعَاِقبُونَه في الدِّينِ ويَقولونَ إنَّه أطوَعُ للهِ مِنْهم. فأيُّ تَأويلٌ بَقيَ لهم؟! ُثمَّ لو ُقدِّرَ أنَّهم مُتَأولونَ لمْ يكنْ تَأويْلهُم سَائِغًا، بلْ تَأويلُ الخَوَارجِ وَمَانِعِيِّ الزَّكاةَ أوجَهُ مِنْ تَأِويْلِهِم) .

قلتُ: إنَّ أنصارَ المُرتَدِّينَ وأعوَانِهم يَكفُرُونَ على التَّعْيين، ودَلِيلهُ أنَّ الصَّحابةَ رضَيَ اللهُ عنهم لمَّا قَاتَلوا المُرتَدِّينَ أتْبَاعِ مُسيلمَةَ وَطليحَة الأسدي حَكَمُوا على أنَّ قَتْلاهم في النَّارِ، ولا خِلافَ في أنَّ القَتلى أشخَاصٌ مُعَيَنُونَ، كَمَا أنَّه لا خِلافَ عندَ أهلِ السُنَّةِ أنَّه لا يُشهَدُ لمُعَيَّنَ بالنَّار إلاَّ مَنْ كانَ مَقطُوعًا بكفِرهِ، كإبليسَ وفرعونَ وهامانَ وقارونَ وأبي لهبٍ وأبي جهل وأمثالهم، وكَمَنْ مَاتَ على ُكفِرهِ.

لِمَا رََوَاه مُسلمُ في صَحِيحِهِ [54] ؛ كتابُ الإيمانِ،"بابُ؛ الدَّليلُ على أنَّ مَنْ مَاتَ على الكفْر لا يَنْفَعُهُ عملٌ"، عنْ عَائشة رضيَ اللهُ عنها قالت: (قلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابن جَدعَان كانَ في الجَاهليَّةِ يَصِلُ الرَحِمَ، ويُطْعِمُ المِسكينَ، فهلْ ذلكَ نَافِعُُهُ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ إنَّه لمْ يَقلْ يَومًَا ربِّ اغفِر لي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّين) .

وعنْ أنسٍ رضي الله عنه: (أنَّ رجُلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ أينَ أبي؟ قالَ: في النَّار، قالَ: فلمَّا قَفَّى الرجُلُ دَعَاهُ فقالَ: إنَّ أبي وأبَاكَ في النَّار) [55] .

وعنِ العبَّاس بن عبد المُطَّلب رضي الله عنه، قالَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَا أغْنَيْتَ عنْ عَمِّكَ؟ فإنَّه كانَ يَحُوطكَ ويَغضَبُ لكَ، قالَ: (هُوَ في ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، ولولا أنَا لكانَ في الدَّركِ الأسفَلِ مِنَ النَّار) [56] .

وعنْ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه: أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَذُكِرَ عِندَه عَمُّه فقالَ: (لعَلَّه تَنْفَعُهُ شَفَاعَتي يَومَ القيامةِ فَيُجْعَلُ في ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّار يَبْلغُ كَعْبَيهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ) [57] .

وَرَوى مُسلمُ أيضًا في"كتابِ الإيمان" [58] عَنْ ابن عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: (أهْوَنُ أهلِ النَّاِر عَذَابًَا أبو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بنَعْلينِ يَغْلِي مِنهُمَا دِمَاغُهُ) .

قالَ الإمامُ النَّوَويُّ في"شَرحُ مُسلم" [59] عندَ شَرحِهِ لِحَدِيثِ: (إنَّ أبي وَأبَاكَ في النَّار) ، قالَ: (فيهِ أنَّ مَنْ مَاتَ على الكُفِر فَهُوَ في النَّاِر ولا تَنْفَعُهُ قَرَابَةَ المُقرَّبين) أهـ.

وعنْ عَمرانَ بن الحُصين؛ أنَّ أبَاه الحُصينَ أتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ: أرَأيتَ رَجُلًا كانَ يُقري الضَيفَ ويَصِلُ الرَّحِمَ مَاتَ قَبْلكَ، وَهُوَ أبُوكَ؟ فقالَ: (إنَّ أبي وَأبَاكَ وَأنتَ في النَّاِر) ، فَمَاتَ حُصْينُ مُشركًا [60] .

وعنْ سَعْدٍ، يَعْنِي ابنُ أبي وَقَاصٍ أنَّ أعرَابيًَّا أتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ: يا رسولَ اللهِ أينَ أبي؟ قالَ: (في النَّار) ، قالَ: فأينَ أبُوكَ؟ قالَ: (حَيْثمَا مَرَرتَ بقَبِر كافرٍ فَبَشِّرهُ بالنَّار) [61] .

وعنْ أمِّ سَلمَة قالت: (قلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّ عمِّيَ هشام ابن المغيرة كانَ يُطعِمُ الطَّعَامَ ويَصلُ الرَّحمَ وَيَفعَلُ وَيَفعَلُ فلو أدْرَكَكَ أسْلَمَ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كانَ يُعْطِي للدُنيَا وحَمْدِهَا وذِكرهَا ومَا قالَ يَومًَا قطُّ اللهُمَّ اغْفِرْ لي يَومَ الدِّين) [62] .

وعنْ سَلَمَة بن يزيد الجَعْفِي قالَ: (إنطَلَقتُ أنَا وأخِي وأبي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالَ: قلنَا: يا رسولَ اللهِ إنَّ أمَّنَا مُليكة كانت تَصلُ الرَّحمَ وُتقري الضَّيفَ وتَفعَلُ وَتَفعَلُ، هَلَكَتْ في الجَاهِليَّةِ فهل ذلكَ نَافِعُها شيئًَا؟ قالَ: لا، ُقلنَا: فإنَّها وَأدَتْ أخْتًَا لهَا فهل ذلكَ نَافِعُها شيئًَا؟ قالَ: الوَائِدَةُ والمَوؤُدَة في النَّار إلاَّ أنْ ُتدْركَ الوَائِدةُ الإسلامَ لِيَعْفُو اللهُ عنها) [63] .

وقدْ ثَبَتَ أنَّ الصَّحَابةَ رضيَ اللهُ عنهم قدْ شَهدُوا على قَتْلَى الردَّةِ بالنَّاِر وهُم أشخاصٌ مُعَيَّنُونَ كَمَا ُقلنَا.

فمِنْ طَريقِ الثَوريِّ عنْ قيس بن مسلم عنْ طارق بن شِهَاب قالَ: (لمَّا قدِمَ وَفدُ بُزَاخة - أسَدُ وغَطَفَان - على أبي بكرٍ يَسْألونَه الصُّلحَ، خَيَّرَهم أبوبكر بَينَ حَربٍ مُجَليَّةٍ حِطَّةٍ مُخزيَةٍ، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ اللهِ أمَّا الحربُ المُجَلِيَة فقدْ عَرَفنَاها، فمَا الحِطَّة المُخزيَة؟ قالَ: تؤخَذُ مِنْكم الحَلقة والكَرَاع وُتترَكُونَ أقوَامًَا يَتَّبعُونَ أذنَابَ الإبلِ حتَّى يُرَيَ اللهُ خَليفةَ نَبيِّهِ والمُؤمنينَ أمرًَا يَعْذرُونَكم بهِ، وُتؤدُونَ مَا أصَبْتُم مِنَا، ولا نُؤدِّيَ مَا أصَبْنَا مِنْكم، وَتَشهَدُونَ أنَّ قَتْلانَا في الجَنَّةِ وأنَّ قَتْلاكم في النَّار، وَتَدُونَ قَتْلانَا وَلا نَدِي قَتْلاكم، فقالَ عُمرُ: أمَّا قولكَ: تَدُونَ قَتْلانَا، فإنَّ قَتْلانَا ُقتِلوا على أمِْر اللهِ لا دِيَاتَ لهم، فامْتَنَعَ عمرُ وقالَ عمرُ في الثاني: نِعْمَ مَا رَأيتَ) [64] .

وأمَّا البُخاريُّ فَرَوَاهُ مِنْ حَديثِ الثوريِّ مُختَصَرًَا، قالَ: حَدَّثنِي قيس بن مسلم عن طارق بن شِهَاب عنْ أبي بكر رضي الله عنه قالَ لوفدِ بُزَاخَة: (تَتَّبعُونَ أذنَابَ الإبلِ حتَّى يُريَ اللهُ خَليفةَ نَبيِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُهَاجرينَ أمرًَا يَعْذرُونَكم بهِ) [65] .

ولذلكَ قالَ الحَافِظُ في"الفتح" [66] : (وقوله:"قتلاكم في النَّار"أي لا دِيَاتَ لهم في الدُنيَا لأنَّهم مَاتوا على شِركِهِم فَقتِلوا بِحَقٍ فلا دِيَة لهم) أهـ. ُ

ثمَّ قالَ: (والذي يَظهرُ أنَّ المُرادَ بالغَايةِ التي أنْظَرَهُم إليها أنْ تَظهَرَ تَوبَتهُم وَصَلاحَهم بحُسْنِ إسلامهم) [67] .

وَمَحلُ الإسْتِشهادِ مِنْ هذا الأثر؛ أنَّ أبا بكر رضيَ اللهُ عنه قالَ لِوفدِ بُزَاخَة مِنْ أسَدْ وغَطَفَان: (وتكونُ قَتْلاكم في النَّار) ، وقدْ وافَقَهُ الصَّحابة رضيَ اللهُ عنهم، وهذا إجماعٌ صَريحٌ مِنْهم على تَكْفِير أنصاِر المُرتدِّينَ وأعوانِهم وجُنُودِهِم على التَّعْيين.

[41] أنظر نَوا قِضَ الإيمان القوليَّةِ والعمليَّة (ص 360 - د: عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف)

[43] الفتح (7: ح 4018: ص 321

[45] 1: ح 676: ص 89

[46] الفتح (7: 322)

[55] رَواه مُسلم (1: 196) ،"بابُ؛ بَيَانُ أنَّ مَنْ مَاتَ على الكفر فَهُوَ في النَّار".

[56] رَواه البُخاريُّ في كتابِ مَنَاقِبِ الأنصَار - بابُ قِصَّة أبي طالب (الفتح 7: 193) ، ومُسلمُ في كتابِ الإيمان - بابُ التَّخفِيفِ عنْ أبي طالب .... (شَرحُ مُسلمٌ للنَّووي(3: 84 ) ) . وفي ِروايةٍ عندَ مُسلم وفيه: (فهلْ نَفَعَهُ ذلكَ قالَ:(نَعَمْ وَجَدْتهُ في غَمَرَاتٍ مِنَ النَّار فأخْرَجتُهُ إلى ضَحْضَاح") "

[57] رَواه البُخاريُّ في كتابِ مَنَاقِبِ الأنصار (برقم 3885) ، بابُ قِصَّةِ أبي طالب (الفتح 7: 193) ، ومُسلمُ في كتابِ الإيمان - بابُ التَّخفِيفِ عنْ أبي طالب - (شَرْحُ مُسلمٌ للنَّوَوي(3: 85)

[58] 3: 85 - شَرحُ مُسلم

[60] أنْظُر مَجمَع الزَّوائِدِ للهيثمي (1: 117) ، قالَ الهيثميُّ: (رَواهُ الطَّبَرَانيُّ في الكبير وَرجَاله ِرجَالُ الصَّحِيح)

[61] قالَ الهيثميُّ في مَجمَع الزَّوائِدِ (1: 118) : رَواهُ البَزَّارُ والطَّبَرانيُّ في الكبير وَزَادَ: فأسْلَمَ الأعرابيُّ، فقالَ: لقدْ كَلَفَنِِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَنَاءٍ: مَا مَرَرتُ بقبِر كافرٍ إلاَّ بَشَّرتُهُ بالنَّار، وِرجَاله ِرجَالُ الصَّحِيح

[62] قالَ الهَيثمِيُّ في مَجمَع الزَّوائِدِ (1: 118) : رَواهُ الطَّبَرانيُّ في الكَبير وأبو يَعْلى وِرجَاله ِرجَالُ الصَّحِيح)

[63] قالَ الهَيْثميُّ في مَجمَع الزَّوائِدِ (1: 119) : رَوَاهُ أحمد وِرجَاله ِرجَالُ الصَّحِيحِ والطَّبَرَانيُّ في الكَبير بنَحْوهِ

[64] أنْظُر البدَايَة والنِهَايَة لابن كثيرٍ (3: 6: 351 ) ) (وقدْ أوْرَدَهَا أبو بكر البرقانيُّ في مُسْتَخرجهِ، وسَاقها الحُمِيدِيُّ في الجَمْع بينَ الصَّحِيحَين ... وأخرَجَه ِبُطولِهِ البَرقانيُّ بالإسنادِ الذي أخرَجَ البُخاريُّ ذلكَ القدرَ مِنْهُ) . (أنظر فتحَ البَاري(13: 210)

[65] رَوَاهُ البُخَاريُّ في كتابِ الأحكامِ بابُ الأستِخلافِ (13: ح 7221: ص 206 - الفتح)

[67] الفتح (13: 211)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت