الوليُّ فَعيلٌ بمَعنى فاعل ومنه وَليُّه إذا قامَ به، ومِنهُ قولُهُ تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الذينَ آمنوا} (البقرة: 257) .
وجاءَ في"لسانِ العربِ"لابنِ مَنظُور [7] أنَّ: (المُوَالاةُ - كَمَا قالَ ابنُ الأعرابي: أنْ يَتشاجَرَ اثنانُ فيَدخُلُ ثالثٌ بينَهما للصُلحِ، ويكونُ له في أحَدِهِما هَوى فيُوالِيه أو يُحَابِيه، وَوَالى فلانٌ فلانًا: إذا أحبَّه، والمَولََى: اسمٌ يَقعُ على جَماعةٍ كثيرةٍ، فهو الرَبُّ، والمالكُ، والسيِّدُ، والمُنعِمُ، والمُعتِقُ، والنَّاصِرُ، والمُحبُّ، والتابعُ، والجارُ، وابنُ العمِّ، والحليفُ، والعقيدُ، والصِهرُ، والعبدُ، والمُعتِقُ، والمُنعِمُ عليه) أهـ.
قُلتُ: هذهِ المَعانِي كُلّها تَقومُ على النُصرةِ والمَحبَّةِ، والمُوَالاةُ تكونُ بمَعنى المُتابعة.
وقال الفيوميُ في"المِصباحِ المُنير" [8] : (ويكونُ الوَليُّ: بمَعنى مَفعول، في حقِ المُطيع، فيُقال: المُؤمنُ وليُّ اللهِ، وَوَالاه مُوالاةً وولاءً. من بابِ"قاتل"أي تَابَعه) أهـ.
قُلتُ: على ضَوءِِ هذهِ التّعريفاتِ اللُغويَّةِ نَستطيعُ القولَ إنَّ المُوالاةَ اصْطِلاحًا هي النُصرةُ والمَحبَّةُ والمُعاونةُ والإكرامُ والإجلالُ والإحترامُ وأنْ يكونَ المُواليَ مُحبًَّا لمَن وَالاه ظاهرًا وباطنًا. فأصلُ المُوالاةِ يجبُ أنْ تكونَ للهِ ولرسولِهِ وللمؤمنينَ، كَمَا قال تعالى: {اللهُ وليُّ الذينَ آمنوا يُخِرجُهُم مِن الظُلماتِ إلى النُّورِ والذينَ كفروا أولياؤُهُم الطَّاغوتُ يُخرجُونَهَم مِن النُّور إلى الظُلماتِ أُولئكَ أصحابُ النَّارِ هُم فيها خالدون} (البقرة: 257) ، وقال تعالى: {ألا إنَّ أولياء اللهِ لا خَوفٌ عليهم ولا هُم يَحزنُونَ الذينَ آمنوا وكانوا يَتَّقون} (يونس: 62 - 63) .
فالمُؤمنونَ أولياءُ اللهِ واللهُ وليُّهم، وقد حَصَرَ اللهُ الولايَةََ فيه فقال مُخاطِبًا المُؤمنينَ: {إنَّما وليُّكُم اللهُ ورسولُه والذينَ آمنوا الذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ ويُؤتونَ الزَّكاةَ وهُم رَاكِعُون * ومَنْ يَتولَّ اللهَ ورسولَه والذينَ آمنوا فإنَّ حِزبَ اللهِ هُم الغالِبُون} (المائدة: 55 - 56) .
فالواجبُ على المُسلمِ أنْ يُواليَ في اللهِ ويُعاديَ فيه، ويُحبَّ في اللهِ ويُبغِضَ فيه، لأنَّ الوَلاءَ والبراءَ مِن أوثقِ عُرى الإيمانِ ومِن أهمِّ قواعدِ الدينِ، بَلْ هُوَ أصلٌ مِن أُصولِ الإيمانِ والإعتقادِ فعَن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لأبي ذرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: (أيُّ عُرى الإيمانِ أظُنُّه قالَ: أوثق؟ قالَ اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: المُوَالاةُ في اللهِ والمُعاداةُ في اللهِ والحبُّ في اللهِ والبُغضُ في اللهِ) [9] .
فمُوَالاةُ الكفَّارِ مِن نَواقضِ الإيمانِ ولا يَجُوزُ لمُسلمٍ أنْ يُواليَهُم، لأنَّ الواجبَ عليهِ مُعاداةُ الكُفَّارِ وبُغضُهم، فمُوَالاتُهم تَعني مَحبَّتُهم والقُربُ إليهم ومُعاونَتُهم ونُصرتُهم وإظهارُ الودَّ لهم والرُكونُ إليهِم وكلُّ ذلكَ لا يَجُوزُ، لا بالأقوالِ والأفعالٍِ ولا بالنَّوايا. قالَ اللهُ تعالى: {لا تَجِدُ قومًَا يُؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخرِ يُوادُّونَ مَنْ حآدَّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءَهم أو أبناءَهم أو إخوانَهم أو عشيرتَهم أُولئكَ كَتَبَ في قلوبِهمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بروحٍ مِنه ويُدخلهم جنَّاتٍ تَجري مِن تَحتِها الأنهَارُ خالدينَ فيها رضيَ اللهُ عنهُم ورَضُوا عنه أُولئكَ حِزبُ اللهِ ألا إنَّ حِزبَ اللهِ هُم المُفلحون} (المجَادلة: 22) .
وعلى ذلكَ فإنَّه لا يَجُوزُ لمُسلمٍ أنْ يُوَاليَ كافرًا، كَمَا لا يَجُوزُ له مُوَالاةُ الطَّاغوت، ذلكَ أنَّنا أُمِرنا بالكُفرِ بالطَّاغوتِ والبَراءةِ مِنه كَما قال تعالى: {فمَن يَكفُر بالطَّاغوتِ ويُؤمن باللهِ فقدِ استَمسَكَ بالعُروةِ الوُثقَى لا انفصامَ لها واللهُ سميعٌ عليمٌ} (البقرة: 256) . فالمُؤمنُ يُؤمنُ باللهِ ويَكفرُ بالطَّاغوت، بخلافِ الكافرِ فإنَّه يُؤمنُ بالجبتِ والطَّاغوتِ ويَكفرُ بالله كَما قال تعالى: {والذينَ كفروا أولياؤُهُم الطَّاغوتُ يُخرجُونَهم من النُّور إلى الظُلماتِ أُولئكَ أصحابُ النَّار هُم فيها خالدون} (البقرة: 257) ، وقال تعالى: {ألم تَرَ إلى الذينَ أُوتُوا نَصيبًا مِنَ الكتابِ يُؤمنُونَ بالجبتِ والطاغوتِ ويقولونَ للذينَ كفروا هؤلاءِ أهدى من الذينَ آمنوا سَبيلًا} (النِّساء: 51) .
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة في"مجموع الفتاوى" [10] : (فتبيّن أنّ الطاغوت يؤمن به ويُكفر به) أهـ.
قُلتُ: فالمؤمنونَ بالطَّاغوتِ كُفَّار، والكافرونَ بالطَّاغوتِ مُؤمنونَ.
والطَّاغوتُ كذلكَ يُقَاتَلُ في سَبيلِهِ، فالمُقَاتِلُونَ في سَبيلِ الطَّاغوتِ هُم الكُفَّار، وأمَّا المُؤمنونَ فإنَّما يُقَاتِلُونَ في سَبيلِ اللهِ لا في سَبيلِ الشَّيطانِ والطَّاغوتِ كَمَا قال تعالى: {الذينَ آمنوا يُقَاتِلُونَ في سبيلِ اللهِ والذينَ كَفروا يُقَاتِلُونَ في سبيلِ الطَّاغوتِ فَقَاتِلُوا أولياءَ الشيطانِ إنَّ كَيدَ الشيطانِ كانَ ضَعِيفًا} (النِّساء: 76) .
قُلتُ: فالمُؤمنونَ بالطَّاغوتِ هُم أعوانُه وأنصَارُه، والمُقاتِلونَ في سبيلِهِ هُم جُندُهُ وعَسكرُهُ، وأعوانُ الطَّاغوتِ.
وأنصارُهُ أقسامٌ ... وهُم:
(أ- المُناصِرونَ بالأقوالِ:
أي المُناصِرونَ للطَّاغوتِ بالأقوالِ، ويأتي على رأسِهِم: بعضُ عُلماءِ السُّوءِ والمُتعالِمينَ الذينَ يُسبِِغُونَ الشرعيَّة الإسلاميَّة على الحُكَّام الكافرينَ ويَدرَأونَ عنهُم تُهمَة َالكُفرِ ويُسفِّهونَ المُسلمينَ المُجاهدينَ الخارجينَ عليهم ويَتَّهمُونَهم بالمُرُوقِ والضَّلالِ ويُغرُونَ الحُكَّامَ بِهم.
كَمَا يَدخُلُ في المُناصِرينَ بالقولِ: بعضُ الكتَّابِ والصَّحافيينَ والإعلاميينَ الذينَ يَقُومُونَ بنفسِ هذا العمل.
ب) المُناصِرونَ بالأفعالِ:
ويأتي على رأسهِمِ جُنودُ الحُكَّامِ الكافرينَ، سواءٌ في ذلكَ جُنودُ الجيشِ أو جُنودُ الشرطةِ، الَرِدء مِنهم والمُباشر، فهؤلاءِ مُعدُّونَ بِحُكم دَساتِيرِ هذهِ البلادِ وقَوانِينَها للقيامِ بأمورٍ مِنها:
-المحافظةُ على النِّظامِ العامِّ للدَّولةِ: بمَا يعني استمرارُ العملِ بالدَّساتيرِ والقَوانينِ الوَضعيَّة الكُفريَّة، ومُعاقبةِ كلِّ مَنْ يُعارضُ ذلكَ أو يُحاولُ تغييرَه.
-حِمايةُ الشَّرعيَّة الدُّستُوريَّة: وهيَ عِبارةٌ تَعني حِمايةُ الكافرِ نَفسَه، لأنَّه يُعدُّ عندَهم حاكمًا شرعيًَّا بمُوجِبِ الدُّستُورِ، لأنَّه قد جَرى نَصبُهُ وِفقَ الإجراءاتِ المُبيَّنة بالدُّستور الوضعِي.
-تأكيدُ سِيادةِ القانونِ: بتنفيذِ مَا يُوجبُهُ الدُّستورُ والقانونُ ويَدخلُ في ذلكَ تنفيذُ الأحكامِ الصادرةِ عنِ المحاكمِ الوَضعيَّة الطَّاغوتيَّة.
ويَدخُلُ في أنصَارِ الطَّواغيتِ كلُّ مَنْ نَصرَهم بِقولٍ أو فعلٍ مِنْ غيرِ مَنْ ذَكرنا هُنا حتَّى ولو كانَ هذا المُناصِرُ حُكومةُ دولةٍ أخرى فإنَّه يَلحقُها نفسُ الحُكمِ. فهذا هُوَ الطَّاغوتُ وهؤلاءِ هُم أنصارُهُ) [11] .
وأعَوانُ الطَّاغوتِ وأنصارهِ هُم المُدافِعونَ عنه والمُستَميتُونَ في الذبِّ عن مُلكِهِ والحفاظِ على سُلطانِهِ، ورُؤوسُ الكُفرِ والضَّلالِ في كلِّ مكانٍ لا بقاءَ لهم إلاّ بأعوانٍ يُعينونَهم على الكُفرِ والفسادِ والظُلمِ والضَّلالِ.
فأنصارُ الطَّواغيتِ هُم بِطانةُ الحُكَّامِ المُرتدِّينَ الذينَ لا يَحكُمُونَ بِشرعِ اللهِ وزَبَانيتِهم وأركانِ سُلطانِهم سواءٌ في ذلكَ ناصرُوهم بالقولِ كعُلماءِ السّوءِ وبعض الصَّحفيينَ والإعلاميينَ الذينَ يُدَندنُونَ على مآثرِ هؤلاءِ الحُكَّامِ المُرتدِّين وإنجَازاتِهم، وكالشُعراءِ والأدباءِ والكتَّابِ الذينَ يَكِيلونَ لهم المَدائحَ ويَصفُونَهم بالعدلِ والإستقامةِ ويَنْسُجُونَ حَولَهم البُطولاتِ الكاذبةِ والإنتصاراتِ الوهميَّةِ.
ويَدخُلُ في هذا القسمِ أيضًا: مُستشارُوهُم ومَنْ يَستأنِسُونَ بِهم في مَجالِسِهم مِمَنْ يُضلُّون النَّاسَ ويُلبِّسُونَ عَليهم ومَا أكثَرَهم لا كثَّرَهم الله؛ أو كانوا أنصارَه بالفعلِ كالجُنودِ والعسكرِ والحَرسِ الخاصِّ والجمهوري ورجالِ ما يُعرَفونَ بالأمنِ والإستخباراتِ وكذلكَ رجالُ الشُرطةِ والوزراءِ ودَعائمِ أركانِ سُلطانِهم مِمَنْ يَستَأثِرُهُم الحاكمُ المُرتدُّ ببعضِ أسرارِ الدَّولةِ، فهؤلاءِ كُلُّهُم مِنْ أنصارِ الطَّاغوتِ وأعوانِهِ هُمُ الذينَ يَحمُونَه ويَحمُونَ سُلطَانَه ودَساتِيرِ حُكمِهِ والقوانينِ النَّافذةِ مِنْ الدَّساتِيرِ الكُفريَّة وهُمُ الذينَ يَحيلُونَ بَينَ النَّاسِ وبَينَ حُكمِ اللهِ، بَلْ ويَستَميتُونَ في الدفاعِ عنِ النِّظامِ الكُفريِّ ويُقاتِلُونَ في سبيلِهِ ويَمُوتُونَ مِنْ أجلِ بقائِهِ والحفاظِ عليِهِ، ويَصِمُونَ مَنْ عَارضَه أو خَرجَ عليه بالخِيانةِ والإجرامِ ويُعاقِبُونَه بالموتِ بتُهمةِ الخِيانةِ الوَطنيَّة.
فلولا أنصارُ الطَّواغيتِ وأعوانِهم لَمَا كانَ هؤلاءِ الحُكَّامُ في الحُكمِ ولَمَا دَامُوا عليه، فَهُمُ السَّببُ في بَقاءِ هؤلاءِ الحُكَّامِ المُرتدِّين، وهُمُ السَّببُ في قوةِ سُلطانِهم ودَوامِ حُكمِهِم. فإذا كانَ هؤلاءِ الحُكَّامُ كفروا لِكونِهم لا يَحكُمُونَ بِشرعِ الله، فإنَّ كلَّ مَنْ عاونَهم وناصرَهم ودَافعَ عنهم أو ذبَّ عن مُلكِهِم أو قدَّم إليهم المُعاونةَ الماديَّةَ والمَعنويَّةَ يكونُ حُكمُهُ كحُكمِهِم فَهوَ كافرٌ مثلُهُم، إذ مِنْ المَعلومِ أنَّ أعوانَ الطَّواغيتِ وأنصارِهِم هُم المُباشرُون لحمايةِ الطََّاغوتِ ونِظامِهِ والدفاعِ عن دُستُورِهِ وقوانينِهِ الوضعيَّةِ، وهُم كذلكَ المُتسبِّبُونَ في ظُهورِ الكُفر البَواح في بلادِ المُسلمينَ بتنفيذِهِم للأحكامِ الوضعيَّةِ الكُفريَّةِ اللعينةِ على المُسلمين.
وحُكمُ المُباشِر للشيءِ في الإسلامِ لا يَنفكُّ عن حُكمِ المُتسبِّبِ فيه كما هُوَ مَنصُوصٌ عليه عند الفقهاءِ فتَبيَّنَ مِنْ ذلكَ أنَّ أنصارَ الطَّواغيتِ وأعوانِهم كُفَّار.
[7] ج3: 985 - 986
[9] رَواهُ الطَّبرانيُ في المُعجمِ الكبيرِ برقمِ (11537) والطَيالِسيُ برقمِ (378) عنِ ابنِ مسعودٍ وأحمد (4: 286) وابنُ أبي شَيبَةَ في - الإيمان - عن البَراءِ. وفي المُصنَّفِ أيضًا برقمِ (187: 12) والحاكمِ في المُستَدرَكِ (2: 480) عنِ ابنِ مَسعودٍ وقال: (صحيحُ الإسنادِ. ولم يُوافقه الذَّهبيُّ فقالَ: ليسَ بصحيحٍ) . والبَغويُّ في شرحِ السُنَّةِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ (3: 429) . وحسَّنَه الألبَانيُّ بالشَّواهدِ والمُتابَعاتِ (أُنظُر السِّلسِلة الصَّحيحَة(2: ح899: ص 437 - 735) وَ (4: ح1728: ص 306 - 307)
[11] الجامعُ في طلبِ العِلمِ الشريفِ لعبدِ القادر عبد العزيز ص 554
[12] حَكَاهُ شيخُ المُفسِّرينَ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُ رَحِمَه اللهُ تعالى في تفسيره (3: 228)