إنَّ أجمَعَ تعريفٍ للطَّاغوتِ، وَقَفْتُ عليه، هَوَ تَعريفُ الإمام ابن قيِّم الجوزيَّة في"أعلامِ المُوقِعين عن ربِّ العالمين" [2] حيثُ حدَّه بقولِه: (والطَّاغوت: كُلُّ ما تَجاوزَ به العبدُ حدَّه مِن مَعبودٍ أو مَتبوعٍ أو مُطاعٍ، فطاغوتُ كلِّ قومٍ من يَتحاكَمُون إليه غيرَ الله ورسولِه، أو يعبدونَه من دُونِ الله، أو يتَّبعُونَه على غيرِ بَصيرةٍ من الله، أو يُطيعُونَه فيما لا يَعلمون أنَّه طاعةٌ لله، فهذه طواغيتُ العالم، إذا تأمَّلتها وتأمَّلت أحوالَ النَّاس مَعها رأيتَ أكثَرَهم عَدَلوا عن عبادةِ الله إلى عبادةِ الطَّاغوت، وعن التَّحاكُم إلى اللهِ وإلى الرسولِ إلى التَّحاكم إلى الطَّاغوتِ، وعن طاعتِه ومُتابعةِ رسولِه إلى الطَّاغوت ومُتابَعتِه) أهـ.
(وقال الجوهري: والطَّاغوتُ الكاهنُ والشيطانُ وكلُّ رأسٍ في الضَّلال، وقد يكونُ واحدًا، قال الله تعالى: {يُريدُون أَنْ يَتحاكَمُوا إلى الطَّاغوتِ وقد أُمِرُوا أنْ يَكفُروا به} (النِّساء: 60) ، وقد يكونُ جَمعًا، قال الله تعالى: {أوليَاؤُهُم الطَّاغوت} (البَقرة: 257) ، والجَمعُ الطَّواغيت) [3] .
وقال أميرُ المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: (إنَّ الجِبتَ السِّحر، والطَّاغوت الشيطان) [4] .
ثم قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمه الله تعالى: (ومعنى قوله في الطَّاغوت: إنَّه الشيطان قويٌّ جدًَّا فإنَّه يَشملُ كلَّ شَرٍ كان عليه أهلُ الجاهليَّةِ مِن عبادةِ الأوثانِ والتَّحاكُم إليها، والإستنصار بها) [5] .
وفي"فتحِ المجيدِ شرحِ كتابِ التوحيدِ"للشَّيخِ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [6] ، قال: (وقال جابر رضي الله عنه: الطَّاغوتُ كُهّانٌ كانت تَنَزَّلُ عليهم الشياطين، رواهُما ابن أبي حاتم، وقال: الطَّاغوتُ كلُّ ما عُبدَ من دون الله) أهـ.
قُلتُ: أصلُ الطَّاغوتِ الشيطانِ كما قال أميرُ المُؤمنينَ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ويتفرَّعُ عنه كلُّ رأسٍ في الضَّلالِ من الكُهَّانِ والسَّحرةِ والذي يَحكُم بغيرِ ما أنزَلَ الله أو يَتحَاكم النَّاسُ إليه بغيرِ حٌكمِ اللهِ ورسولِه أو يُعبدُ من دون اللهِ أو يُتَّبعُ على غيرِ بَصيرةٍ من اللهِ أو يُطاعُ في مَعصيةِ الله.
ذلكَ أنَّ الطَّاغوتَ: مُشتقٌ من الطُغيانِ وقيلَ: أصلُ طَاغوت في اللُغةِ مأخوذةٌ مِن الطُغيانِ يُؤدِّي مَعناه من غيرِ اشتقاقٍ، والطُغيانُ هو مُجاوزةُ الحدّ. فكلُّ مَن تَجاوزَ حدَّه من مَعبودٍ أو مَتبوعٍ أو مُطاعٍ فهو طاغوتٌ، وهذا هو حقِيقَته.
وقد أمرَ اللهُ بالكُفر بالطَّاغوت وجَعَلَه شَرطًَا في ِصحَّة الإيمانِ والتَّوحيدِ، فقال تعالى: {فَمَن يَكفُر بالطَّاغوتِ ويُؤمنْ باللهِ فقدِ استَمسَكَ بالعُروةِ الوُثقى لا انفِصَامَ لها واللهُ سميعٌ عليمٌ} (البقرة: 256) .
وقال تعالى: {ألم تَرَ إلى الذين يَزعُمونَ أنَّهم آمنوا بِما أنُزِلَ إليكَ وما أنُزلَ مِن قبلِكَ يُريدون أنْ يَتحاكَموا إلى الطَّاغوتِ وقد أُمِرُوا أنْ يَكفُرُوا به ويُريدُ الشيطانُ أنْ يُضلَّهم ضَلالًا بعِيدًا} (النِّساء: 60) .
كَمَا أمَرَ اللهُ سُبحانَه وتعالى عِبَادَه المُؤمنينَ باجتنابِ الطَّاغوتِ، فقال تعالى: {ولقدْ بَعثنَا في كلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أنْ اعبُدُوا اللهَ واجتَنِبُوا الطَّاغوت} (النَّحل: 36) ، وقال تعالى: {والذين اجتَنَبُوا الطَّاغوتَ أنْ يَعبُدُوها وأنَابُوا إلى اللهِ لهُمُ البُشرى فبَشِّر عِبَاد * الذينَ يَستمِعُونَ القولَ فيتَّبِعُونَ أحْسَنَه أُولئكَ الذينَ هَدَاهُم اللهُ وأولئكَ هُم أُولوا الألباب} (الزُمُر: 17 - 18) .
[2] 1: 50 - ط: دار الجيل
[3] أنظُر الجامع لأحكَام القرآن للإمامِ القُرطُبي: 3: 183 - ط: دار الكتب العلميَّة
[4] أنظُر تفسير ابن كثير 1: 418 ط- دار الفيحاء دمشق ودار السَّلام الرياض
[5] المصدر السَّابق 1: 418
[6] ص19 ط: دار النََّدوة الجديدة - بيروت - لبنان