وهذه الرخص من محاسن الشريعة ومن الحنيفية السمحة التي بُعث بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي تعم من يشق عليه ومن لا يشق عليه، كما قال أهل العلم. [1]
الفرع الأول: معنى الرخصة:
الرخصة في اللغة: التسهيل في الأمر والتيسير.
وفي الشرع: ما يغيِّر من الأمر الأصلي إلى يسر وتخفيف، كصلاة السفر، وهي خلاف العزيمة. وفي الحديث: «إن الله جل ثناؤه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» . [2] وقيل: هي ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم. [3]
الفرع الثاني: فيمن يجوز لهم الترخص:
ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة إلى أنَّ من سافر سفرًا واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أنَّه يجوز له الترخص برخص السفر؛ وإن عصى في ذلك السفر. وأما من كان عاصيًا بسفره، فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنَّه لا يجوز له الترخص برخص السفر. واستثنوا من ذلك المتيمم، فيجب عليه إذا لم يجد الماء أن يتيمم ويصلي، واختلفوا في إلزامه الإعادة.
وذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وابن حزم إلى جواز القصر والفطر وجميع الرخص في كل سفر، سواء كان سفر طاعة أو سفر معصية. قالوا: لأنَّ النصوص التي وردت في قصر الصلاة وإباحة الفطر في حق المسافر لا تفصل بين سفر وسفر. [4]
واحتجَّ الجمهور بقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [5] ، قال ابن قدامة -رحمه الله-: أباح الأكل لمن
(1) انظر المغني: 3/ 87.
(2) المعجم الوسيط: 1/ 336. والحديث رواه أحمد: 2/ 108، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان، عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
(3) الإحكام للآمدي: 1/ 177.
(4) انظر: تحفة الفقهاء 1/ 149، المحلى 4/ 264، المجموع: 4/ 287، المغني: 2/ 51.
(5) البقرة: 173.