الصفحة 58 من 73

وهذا من الرخص التي لا تختص بالسفر، بل تباح عند الاضطرار، سواء في الحضر أو في السفر. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن أكل الميتة عزيمة لا رخصة.

قال في المغني: أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار، وعلى إباحة الأكل منها في الاضطرار، وكذلك سائر المحرمات، والأصل في هذا قول الله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [1] ويباح له أكل ما يسد الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع أيضًا، وفي الشبع روايتان: أظهرهما: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي. [2]

واختلف العلماء في المضطر في سفر المعصية، هل يجوز له الأكل من الميتة؟ فقال الشافعي وأحمد ومالك في المشهور عنه: لا يباح أكل الميتة عند الضرورة ولا شيئًا من الرخص. قالوا: لأنه تخفيف فلا يستبيحه العاصي بسفره وهو قادر على استباحته بالتوبة.

وقال أبو حنيفة ومالك في إحدى الروايتين: يجوز أكل الميتة، وقد أباح أبو حنيفة جميع الرخص في سفر المعصية، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.

واختار شيخ الإسلام وجوب أكل الميتة على المضطر مطلقًا، فقال: أكل الميتة واجب على المضطر: سواء كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرم، فلو ألقى ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها. [3]

(1) البقرة: 173.

(2) المغني: 9/ 330.

(3) الفتاوى: 24/ 114. وانظر: المغني: 9/ 332، الكافي لابن عبد البر: 1/ 188، المجموع: 4/ 287.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت