وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في حكم صلاة الجمعة للمسافر:
اختلف السلف في ذلك: فذهب أكثر أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن الجمعة لا تجب على مسافر، وخالفهم أهل الظاهر فقالوا بوجوبها عليه.
واستدل الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم جمعة فصلى الظهر والعصر وجمع بينهما ولم يصل جمعة؛ والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وقد قال إبراهيم: كانوا يقيمون بالرّيّ السنة وأكثر من ذلك وبسجستان السنين لا يجمعون ولا يشرقون. وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: أقمت معه سنين بكابل يقصر الصلاة ولا يجمع. وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين، فكان لا يجمع. وهذا إجماع مع السنة الثابتة فلا يسوغ مخالفته. [1]
واختار شيخ الإسلام قول الجمهور وأن الجمعة ليست بمشروعة للمسافر لما ذكرنا من أدلة الجمهور. [2]
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها على المسافر النازل في مصر تقام فيه؛ لعموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الآية [3] ، وهو محكي عن الزهري والنخعي، وهو قول أهل الظاهر.
قال ابن حزم: فهذا خطاب لا يجوز أن يخرج منه مسافر ولا عبد بغير نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم. [4]
وقال ابن تيمية: وكذلك يحتمل أن يقال بوجوب الجمعة على من في المصر من المسافرين وإن لم يجب عليهم الإتمام. -إلى أن قال-: ولا ينبغي أن يكون في مصر المسلمين من لا يصلي الجمعة إلا من هو عاجز عنها كالمريض والمحبوس وهؤلاء قادرون عليها؛ لكن المسافرون لا يعقدون جمعة، لكن إذا عقدها أهل المصر صلوا
(1) المغني: 2/ 94، المجموع: 4/ 405، المحلى: 5/ 49.
(2) مجموع الفتاوى: 24/ 177.
(3) الجمعة: 9.
(4) المحلى: 5/ 51.