فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 471

فَسُكُوتُ أهْلِ العِلْمِ عَنْ مِثْلِ هذه النَّكَسَاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ الَّتِي لَمْ يَشْهَدِ التَّارِيْخُ الإسْلامِيُّ لَهَا مَثِيْلًا؛ فأمْرٌ لا تَبْرُكُ عليه الإبِلُ؛ بَلْ هَذَا بَكْلٌ مِنْ البَكْلِ!

أمَّا كَلامُنا مَعَ أصْحَابِ الطَّرَفِ الآخَرِ: مِمَّنْ غَابَتْ عَنْهُم كَثِيْرٌ مِنْ هَذِه الحَقَائِقِ النَّكِدَةِ، مَعَ اعْتِذَارِهِم: بحُسْنِ الظَّنِّ بِمَنِ اسْتَضَافُوْهُم، وقَدَّمُوْهُم للجَمَاهِيْرِ!، فَنَقُوْلُ لَهُم باخْتِصَارٍ:

1ـ إنَّ مَا ذَكَرْنَاه مِنْ مُغَالَطَاتٍ شَرْعِيَّةٍ عِنْدَ أصْحَابِ الدَّعَوَاتِ المُوَظَّفَةِ، لَهُوَ كَافٍ فِي اتِّخَاذِكُم مَوْقِفًا فَاصِلًا، لا يَقْبَلُ التَّرَدُّدَ إنْ شَاءَ اللهُ، ومَا ذَاكَ إلاَّ لِحُسْنِ ظَنِّ الأمَّةِ بِكُم!

2ـ إنَّ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ (وللهِ الحَمْدُ) لَمْ تَنْخَدِعْ بَعْدُ بأصْحَابِ الدَّعَوَاتِ الضَّعِيْفَةِ؛ بَلْ قَدِ اتَّخَذَتْ مِنْهُم مَوْقِفًا مُخَالِفًا، لعِلْمِها أنَّها قَدْ خَذَلَتِ الأمَّةَ أكْثَرَ مِنْ كَوْنِها نَصَرَتْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا تَفْرَحُوا باسْتِضَافَةِ أصْحَابِ هَذِه الدَّعَوَاتِ العَائِمَةِ فَوْقَ بَرَاكِيْنَ مُتَضَارِبَةٍ، ولا يَهُوْلنَّكُمْ مَا هُمْ فِيْه مِنْ ظُهُوْرٍ وقُصُوْرٍ!، فالظُّهُوْرُ هُوَ مَا كَتَبَهُ اللهُ فِي القُلُوْبِ، والقُصُوْرُ مَا بَنَتْه لَكُمُ الأمَّةُ فِي قُلُوْبِها، فاحْذَرُوا إذَنْ!

3ـ إنَّ الأمَّةَّ الإسْلامِيَّةَ لَمْ تَزَلْ تُحْسِنُ الظَّنَّ بِكُم، فاللهَ اللهَ أنْ تَخْذُلُوا حُسْنَ ظَنِّهِم فِيْكُم، فَلَيْسَ أحَدُكُم أخْسَرُ مِنْ الآخَرِ!

ومِنْ قَبْلُ؛ فَمَا أحْسَنَ مَا جَادَ بِه قَلَمُ سَيِّد قُطْبٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ حِيْنَ وَصَفَ لَنَا أصْحَابَ هَذِه الدَّعَوَاتِ (التَّجْمِيْعِيَّةِ!) عِنْدَ تَفْسِيْرِه لقَوْلِه تَعَالَى:"وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ..."الآية، حَيْثُ قَالَ:"يُعَدِّدُ السِّيَاقُ مُحَاوَلاتِ المُشْرِكِيْنَ مَعَ الرَّسُوْلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأوَّلُها مُحَاوَلَةُ فَتْنِه عَمَّا أوْحَى اللهُ إلَيْه، ليَفْتَرِيَ عَلَيه غَيْرَه، وهُوَ الصَّادِقُ الأمِيْنُ."

لَقَدْ حَاوَلُوا هَذِه المُحَاوَلَةَ فِي صُوَرٍ شَتًّى ... هَذِه المُحَاوَلاتُ الَّتِي عَصَمَ اللهُ مِنْها رَسُوْلَه، هِيَ مُحَاوَلاتُ أصْحَابِ السُّلْطَانِ مَعَ أصْحَابِ الدَّعَوَاتِ دَائِمًا، مُحَاوَلَةَ إغْرَائِهِم حَتَّى يَنْحَرِفُوا ـ ولَوْ قَلِيْلًا ـ عَنِ اسْتِقَامَةِ الدَّعْوَةِ وصَلابَتِها، ويَرْضَوْا بالحُلُوْلِ الوَسَطِ الَّتِي يَغْرُوْنَهُم بِهَا فِي مُقَابِلَ مَغَانِمَ كَثِيْرَةٍ، ومِنْ حَمَلَةِ الدَّعَوَاتِ مَنْ يُفْتَتَنْ بِهَذا عَنْ دَعْوَتِه؛ لأنَّه يَرَى الأمْرَ هَيِّنًا، فأصْحَابُ السُّلْطَانِ لا يَطْلُبُوْنَ إلِيْه أنْ يَتْرُكَ دَعْوَتَه كُليَّةً، إنَّمَا هُمْ يَطْلُبُوْنَ تَعْدِيْلاتٍ طَفِيْفَةً ليَلْتَقِيَ الطَّرَفاَنِ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيْقِ، وقَدْ يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ عَلَى حَامِلِ الدَّعْوَةِ مِنْ هَذِه الثَّغْرَةِ، فيَتَصَوَّرَ أنَّ خَيْرَ الدَّعْوَةِ فِي كَسْبِ أصْحَابِ السُّلْطَانِ إلَيْها؛ ولَوْ بالتَّنَازُلِ عَنْ جَانِبٍ مِنْها!

ولَكِنَّ الانْحِرَافَ الطَّفِيْفَ فِي أوَّلِ الطَّرِيْقِ يَنْتَهِي إلى الانْحِرَافِ الكَامِلِ فِي نِهَايَةِ الطَّرِيْقِ، وصَاحِبُ الدَّعْوَةِ الَّذِي يَقْبَلُ التَّسْلِيْمَ فِي جُزْءٍ مِنْها ولَوْ يَسِيْرٍ، وفِي إغْفَالِ طَرَفٍ مِنْها ولَوْ ضَئِيْلٍ، لا يَمْلِكُ أنْ يَقِفَ عِنْدَ مَا سَلَّمَ بِه أوَّلَ مَرَّةٍ؛ لأنَّ اسْتِعْدَادِه للتَّسْلِيْمِ يَتَزَايَدُ كُلَّمَا رَجَعَ خُطْوَةً إلى الوَرَاءِ!

والمَسْألَةُ مَسْألَةَ إيْمَانٍ بالدَّعْوَةِ كُلِّها، فالَّذِي يَنْزِلُ عَنْ جُزْءٍ مِنْها ولَوْ صَغُرَ، والَّذِي يَسْكُتُ عَنْ طَرَفٍ مِنْها مَهْمَا ضَئُلَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُوْنَ مَؤْمِنًا بدَعْوَتِه حَقَّ الإيْمَانِ ... وأصْحَابُ الشَّيْطانِ يَسْتَدْرِجُوْنَ أصْحَابَ الدَّعَوَاتِ فإذا سَلَّمُوا بالجُزْءِ فَقَدُوا هَيْبَتَهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت