إذَا اشْتَدَّتِ الخُطُوْبُ، وسِلاحُنَا أمَامَ العَدُوِّ، فَهُم رَصِيْدُ الأمَّةِ، ورَأسُ القِمَّةِ، وعُلوُّ الهمَّةِ، لا نَقْبَلُ فِيْهِم بَدِيْلًا، ولا نَرْضَى عَلَيْهم مَقِيْلًا، فَهُم واللهِ: أوْثَقُ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِنا مِمَّنْ سِوَاهُم!
ومَا مَثَلُهم ومَثَلُنا؛ إلاَّ كَرَجُلٍ شُجَاعٍ قَدْ تَوَسَّطَ بَيْنَ أبْنائِه الصِّغَارِ، وبَيْنَ سِبَاعٍ مُفْتَرِسَةٍ كَاسِرَةٍ ... فَهُوْ لَمْ يَألُ جُهْدًا فِي دَفْعِ السِّبَاعِ عَنْهُم بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ .. فَمَرَّةً بيَدِهِ، ومَرَّةً بصَدْرِه، ومَرَّةً بدَمِه، ومَرَّةً برُوْحِه وحَياتِه .. وهَكَذا مَا زَالَ لَهُم حِصْنًا مَنِيْعًا مِنْ عَادِيَةِ السَّباعِ، فِي حِيْنَ أنَّ أبْنَاءهُ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِه لا يَكُفُّوْنَ لَحْظَةً عَنْ إيْذَاءِ أبِيْهِم، فَمِنْهُم مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَه، ومِنْهم مَنْ يَحْثُو التَّرَابَ عَلَيْه، ومِنْهُم مَنْ يَحْصُبُه بالحِجَارَةِ ... وهَكَذَا فِي آذَايا (بَرِيْئةٍ!) ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُم وهُمْ يَصْرُخُوْنَ فِي وَجْهِ أبِيْهِم: يا أبَانا يا أبَانا: لا تَحْجِزْ بَيْنَنا وبَيْنَ هَذِه الحَيْوَانَاتِ الألِيْفَةِ، فَكُفَّ أذَاكَ عَنْها كَيْ نَفْرَحَ بِهَا!
وأدَلُّ مِثَالًا مِنْ هَذَا: مَا كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبَيْنَ أهْلِ الطَّائِفِ ومَكَّةَ ... فَهُم مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِه يَرْمُوْنَه بالحِجَارَةِ، وهُوَ يَقُوْلُ: لِمَلِكِ الجِبَالِ حِيْنَ أرَادَ هَلاكَهُم: لا؛ فإنِّي أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلابِهِم مَنْ يَعُبُدُ اللهَ وحْدَه، ولا يُشْرِكُ بِه شَيْئًا!، إنَّه التَّارِيْخُ يُعِيْدُ نَفْسَه!
النَّكْسَةُ العَاشِرَةُ
ظُهُوْرُ أنْصَافِ الدُّعَاةِ!
إنَّ مَا حَلَّ فِي سَاحَةِ المُسْلِمِيْنَ هَذِه الأيَّام لهُوَ أمْرٌّ خَطِيْرٌ، ونَكْسَةٌ عَظِيْمَةٌ، وفِتَنٌ هَوْجَاءُ، مِمَّا أُصِيْبَ فِيْها كَثِيْرٌ مِنْ عُقَلاءِ المُسْلِمِيْنَ بحَيْرَةٍ ودَهْشَةٍ؛ حَتَّى كَادَ الرَّجُلُ إذا مَرَّ بالقَبْرِ يَقُوْلُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَه!، إنَّها فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.
ولعَمْرُ اللهِ؛ لَوْ أنَّ هَذِه النَّوَازِلَ عُرِضَتْ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ لَجَمَعَ لَهَا أهْلَ بَدْرٍ قَطُّ، فَهُمْ فِي أمْرٍ لا يُنَادَى وَلِيْدُه، ومَا ذَاكَ إلاَّ أنَّها نَوَازِلُ مَصِيْرِيَّةٌ مُهْلِكَةٌ، سَتَجُرُّ الأمَّةَ إلى أوْدِيَةِ تَيْهٍ، ومَسَالِكَ ضَلالٍ، لا تُبْقِي ولا تَذَرُ!
وعِنْدَ هَذَا؛ إذْ بِنَا نَجِدُ أنْصَافَ الدُّعَاةِ، لا يَسْتَأخِرُوْنَ سَاعَةً فِي الكَلامِ عَنْ هَذِه النَّوازِلِ الهَالِكَةِ، دُوْنَ خَوْفٍ أو وَرَعٍ، أو حَتَّى تَأصِيْلٍ عِلْمِي رَاسِخٍ؛ بَلْ نَرَاهُم يَتَدَافَعُوْنَ عَلَى القَنَوَاتِ الإعْلامِيَّةِ للظُّهُوْرِ والتَّنْظِيْرِ، وهَكَذا لَمْ تَقِفْ عَجَلَةُ الظُّهُوْرِ تَدْفَعُ كَثِيْرًا مِنْهُم إلى اسْتِصْدَارِ فَتَاوَى ظَالِمَةً، وأحْكَامًا قَاصِمَةً، أوْرَدَتِ الأمَّةَ مَوَارِدَ فِتْنَةٍ؛ فيَاللإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ!
إنَّ ظُهُوْرَ مِثْلِ هَؤلاءِ الأصَاغِرِ ذِي الوُجُوْهِ (الشَّاحِبَةِ!) الَّتِي لَمْ تَخْشَ التَّوْقِيْعَ عَنْ رَبِّ العَالَمِيْنَ فِي مِثْلِ هَذِه المَوَاقِفِ المَصِيْرِيَّةِ العَصِيْبَةِ الَّتِي تَمُرُّ بالأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ؛ مِمَّا لا يُقِرُّه نَقْلٌ صَحِيْحٌ، ولا عَقْلٌ صَرِيْحٌ!، إنَّ ظُهُوْرَ مِثْلِ هَذِه الدَّعَوَاتِ الجَرِيْئَةِ فِي هَذَا الوَقْتِ العَصِيْبِ لَهُوَ كَارِثَةٌ عَمْيَاءُ، حَيْثُ تَرَكَتْ وَرَاءها آثَارًا سَيِّئَةً، مِنَها:
1ـ مُصادَرَةُ ومُصَادَمَةُ فَتَاوَى أهْلِ العِلْمِ الرَّبانِيِّيْنَ.
2ـ تَضْلِيْلُ المُسْلِمِيْنَ عَنْ بَيَانِ الحَقِّ.