كَمَا أنَّها لَمْ تَكْتَفِ بِهَذا؛ بَلُ رَسَّخَتْ قَوَاعِدَها الحَرْبِيَّةَ، ووَطَّنَتْ جُيُوْشَها الصَّلِيْبِيَّةَ الغَازِيَةَ هُنَا وهُنَاك ـ فَلَيْسَتْ دَوْلَةُ قَطَرٍ عَنْ العَالَمِ بِخَافٍ ـ فعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ عُقَلاءُ الدُّنْيا بِمَا وَرَاء هَذِه الجُمُوْعِ الحَرْبِيَّةِ!؛ لِذَا قَامَتْ دُوَلُ العَالَمِ جَمِيْعًا تُنَدِّدُ، وتَسْتَنْكِرُ، وتُحَذِّرُ، وتَتَوَعَّدُ هَذِه الهَجْمَةَ الإمْرِيْكِيَّةَ الشَّرِسَةَ نَحْوَ العِرَاقِ، فمِنْهُم مَنْ: أخَذَ الحَيْطَةَ والحَذَرَ، ومِنْهُم مَنْ حَرَّكَ أسَاطِيْلَه وطَائِرَاتَه ونَظَّمَ جُيُوْشَه اسْتِعْدَادًا لهُجُوْمٍ مُحْتَمَلٍ، وآخَرُ: مَنْ تَحَالَفَ وأبْرَمَ عُقُوْدًا ليَتَقَوَّى بِهَا مِنْ مَخَاطِرَ هَذِه الحَرْبِ الشَّرِسَةِ ... وهَكَذَا مَا زَالَ العَالَمُ فِي حَرَكَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، فالحَرْبُ وَشِيْكَةٌ، والأيَّامُ تَتَمَخَّضُ بمَوْلُوْدٍ مُشَوَّهٍ مَمْسُوْخٍ!
أمَّا إذَا سَألْتَ عَنْ حُكَّامِ أكْثَرِ بَلادِ المُسْلِمِيْنَ؛ فَشَيْءٌ لا يُحْسَدُ عَلَيْه، فَهْم مَا بَيْنَ: مَسَارِحَ غِنَائِيَّةٍ، أو مُسَابَقَاتٍ رِيَاضِيَّةٍ، أو غَفْلَةٍ قَاتِلَةٍ ... وكَأنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ!
عِلْمًا أنَّ العَالَمَ بأسْرِهِ يَعْلَمُ أنَّ الهَجْمَةَ الصَّلِيْبِيَّةَ (الأمْرِيْكِيَّةَ والبِرِيْطَانِيَّةَ) لا تُرِيْدُ بالدَّرَجَةِ الأوْلَى سِوَى دُوَلِ الخَلِيْجِ، فِي حِيْنَ أنَّ أصْحَابَ الحَرْبِ الصَّلِيْبِيَّةِ قَدْ أفْصَحُوا للعَالَمِ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ خُطَطِهِم الاسْتِعْمَارِيَّةِ فِي تَقْسِيْمِ المَنْطَقَةِ، ابْتِدَاءً بالعِرَاقِ، ثُمَّ سُوْرِيا، ثُمَّ إيْرَانَ، ثُمَّ ... !، وبَعْدَ هَذَا؛ فَهَلْ لهَذِه النَّكْسَةِ التَّارِيْخِيَّةِ مِنْ عَاصِمٍ؟!
النَّكْسَةُ السَّادِسَةُ
السُّكُوْتُ عَمَّا أجْمَعَتْ الأمَّةُ عَلى ذِكْرِه!
إنَّ سُكُوْتَ أهْلِ العِلْمِ فِيْما تَحْتَاجُه الأمَّةُ الإسْلامِيَّةُ حَرَامٌ بالإجْمَاعِ؛ فإذَا كَانَ لا يَجُوْزُ فِي حَقِّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّكُوْتُ عَنِ البَيَانِ وَقْتَ الحَاجَةِ، فَمَا تَحْتَاجُه الأمَّةُ هَذِه الأيَّامِ لَهُو أوْلَى بالبَيَانِ والتَّوْضِيْحِ مِنْ قَبْلُ، لِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى أهْلِ العِلْمِ أنْ يُبَيِّنُوْه دُوْنَ تَأخِيْرٍ، قال تعالى:"وإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذينَ أوتُوا الكتابَ لتُبَيِّنُنَّه للنَّاسِ ولا تَكْتمونَه".
وعَلَيْه؛ فإنَّنا نَجِدُ كَثِيْرًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ هَذِه الأيَّامِ (للأسَفِ) يَتَقَاذَفُوْنَ مَسَائِلَ خِلافِيَّةً، مَا بَيْنَ مُنَاظَرَاتٍ، وخُطَبٍ، وفَتَاوَى، ومُنَاقَشَاتٍ، ومُحَاوَرَاتٍ عَبْرَ القَنَوَاتٍ الإعْلامِيَّةِ وغَيْرِها ... كُلَّ ذَلِكَ فِي الوَقْتِ الَّذِي تَمُرُّ فِيْه الأمَّةُ بفِتَنٍ مُهْلِكَةٍ، ونَوَازِلَ مَصِيْرِيَّةٍ؛ لِذَا كَانَ بَيَانُها عَلَى أهْلِ العِلْمِ مِنْ أهَمِّ الوَاجِبَاتِ.
فمِنْ ذَلِكَ باخْتِصَارٍ:
1ـ الإغْرَاقُ فِي الكَلامِ عَنْ فَرْضِيَّةِ الجِهَادِ، هَلْ هِي عَيْنِيَّةٌ أمْ كِفَائِيَّةٌ؟، فِي حِيْنَ نَجِدُهُم سَاكِتِيْنَ عَنْ حُكْمِ الإعْدَادِ الَّذِي لا يَخْتَلِفُ فِيْه اثْنَانِ لا سِيَّمَا هَذِه الأيَّامِ الحَرِجَةِ، وسُكُوْتُهُم عَنْ فَضْلِ الجِهَادِ وأهَمِّيَتِه (بغَضِّ الطَّرْفِ عَنْ كَوْنِه عَيْنِيًا أو كِفَائِيًا) ؛ بَلْ لا أبَالِغُ إذَا قُلْتُ: إنَّ كَثِيْرًا مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِنا نَرَاه لا يَتَكَلَّمُ عَنْ أدِلَّةِ فَضْلِ الجِهَادِ، ولا يُحَرِّضُ عَلَيْه؛ لا مِنْ قَرِيْبٍ ولا مِنْ بَعِيْدٍ؛ خَوْفًا عَلَى نَفْسِه مِنْ أنْ يُصَنَّفَ مِنَ الَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ بِوُجُوْبِ الجِهَادِ العَيْنِي، فعِنْدَ ذَلِكَ سَيَخْسَرَ الجَاهَ الَّذِي بَنَاهُ تَحْتَ ظِلِّ الوَظَائِفِ السُّلْطَانِيَّةِ!