أهْلِ الكُفْرِ فِي مُحَارَبَةِ (الإرْهَابِ) ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خِلالِ فَتْوَى مُغْتَصَبَةٍ، أو خِطَابٍ عَبْرَ المِذْيَاعِ، أو خُطْبَةٍ (عَصْمَاءَ!) مِنْ فَوْقِ مَنَابِرِ المُسْلِمِيْنَ!، فيَا لِعُقُوْلِ المُسْلِمِيْنَ أيْنَ ذَهَبَتْ؟!
واللهِ ثُمَّ واللهِ!؛ لَو عُرِضَتْ كَلِمَةُ مُحَارَبَةِ: (الإرْهَابِ) الَّتِي يُرَدِّدُها الغَرْبُ الكَافِرُ عَلَى عَجَائِزِ نَيْسَابُوْرَ، أو عَلَى زُنُوْجِ أدْغَالِ إفْرِيْقِيا لَقَالُوا دُوْنَ شَكٍّ أو ارْتِيابٍ: إنَّهُم يُرِيْدُوْنَ مُحَارَبَةَ المُجَاهِدِيْنَ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ!
أمَّا بَعْضُ عُلَمَاءِ زَمَانِنا، فيَاللْمُصِيْبَةِ، ويالِلَّطِيْمَةِ؛ فَلا أدْرِي هَلْ أُصِيْبُوا بالجُنُوْنِ، أو بإعَاقَةٍ فِكْرِيَّةٍ مَا لَهَا مِنْ رَاقٍ، أو أنَّ القَوْمَ فَرَاشُ نَارٍ، وذُبَابُ طَمَعٍ؛ قَدْ أسَرَتْهُم السِّيَاسَةُ السُّلْطَانِيَّةُ، تَحْتَ رِقِّ عُبُوْدِيَّةِ الجَاهِ والمَالِ؟!، إنِّها أسْئِلَةٌ؛ سَيُجِيْبُ عَنْها التَّارِيْخُ، عَاجِلًا أو آجِلًا، واللهُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ، ومَا تُخْفِي الصُّدُوْرِ!
النَّكْسَةُ الثَّالِثَةُ
اتِّفاقُ العَوَامِ، واخْتِلافُ العُلَمَاءِ!
لَقَدْ بَاتَ مِنَ الضَّرُوْراتِ العَقْلِيَّةِ، والمُسَلَّمَاتِ الدِّيْنِيَّةِ، والأعْرَافِ الوَضْعِيَّةِ: أنَّ العُلَمَاءَ أيًّا كَانُوا (مُسْلِمِيْنَ أو كَافِرِيْنَ) هُمْ للإجْتِمَاعِ والائْتِلافِ أقْرَبُ مِنْهُم مِنَ العَامَّةِ الجُهَلاءِ فِي الجُمْلَةِ، وهَذا أمْرٌ لا يَحْتَاجُ إلى تَدْلِيْلٍ أو تَوْضِيْحٍ.
فإذَا عُلِمَ هَذَا؛ فَلَنا أنْ نُفْصِحَ عَنْ نَكْسَةٍ تَارِيْخِيَّةٍ مَا لَهَا سَابِقَةٌ، قَدْ مَرَّتْ بِها الأمَّةُ الإسْلامِيَّةُ مَرَّ السَّحَابِ، حَامِلَةً فِي جَنَباتِهِا فَوْضَى فِكْرِيَّةً، وفَتَاوَى إرْتِجَالِيَّةً، وأقْوَالًا عَصِيَّةً، وهُوَ مَا حَدَثَ فِي هَذِه الأيَّامِ مِنْ مَوَاقِفَ مُتَبايِنَةٍ مُتَنَاقِضَةٍ، لا صِلَةَ بَيْنَها إلاَّ الاسْتِنْكَارُ والإنْكَارُ، وهُوَ مَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ وبَيْنَ عَامَّتِهِم، وذَلِكَ فِي تَصَوُّرِ الوَاقِعِ، وبَيَانِ الحَقِّ، فإنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَقَعُ شَرْعًا وطَبْعًا؛ إلاَّ أنَّ المُصِيْبَةَ كُلَّ المُصِيْبَةِ إذَا عَلِمْنَا أمْرَيْنِ مُنْكَرَيْنِ:
الأوَّلُ مِنْهُما: أنَّ الحَقَّ المُتَنَازَعُ عِنْدَه فِي هَذِه القَضَايا المَصِيْرِيَّةِ الَّتِي تَمُرُّ بالأمُّةِ هَذِه الأيَّامُ كَانَ حَلِيْفَ العَامَّةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، ولا يَهُوْلنَّكَ هَذَا؛ فإنَّه لَمْ يَكُنْ مِنْ بَسْطَةِ عِلْمٍ عِنْدِ العَامَّةِ؛ بَلْ كَانَ هَذَا مِنْهُم بدَافِعِ: أنَّ الخِلافَ هُنا كَانَ وَاقِعًا فِي أمُوْرٍ مَعْلُوْمَةٍ مِنَ الدِّيْنِ بالضَّرُوْرَةِ، مِمَّا لا تَحْتَاجُ إلى كَبِيْرِ عِلْمٍ، وهَذا ثَانِيْهِما، ومِثَالُ ذَلِكَ مَا يَلِي:
1ـ لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُلُوْبُ العَامَّةِ عَلَى تَكْفِيْرِ كُلِّ مَنْ وَالَى ونَاصَرَ الكُفَّارَ (إمْرِيْكا وحُلَفَاءها) ضِدَّ إخْوَانِهم المُسْلِمِيْنَ فِي أفْغَانِسْتَانَ، والعِرَاقِ وغَيْرِهِما، فِي حِيْنَ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ العُلَمَاءِ فِي هَذِه المَسْألَةِ مَا بَيْنَ مُخَالِفٍ وخَائِفٍ!
2ـ لَقَدْ شُفِيَتْ صُدُوْرُ العَامَّةِ عِنْدَ تَحْطِيْمِ بُرْجَيْ نِيُورْكْ فِي إمْرِيْكا، وتَمْرِيْغِ كِبْرِيائِها فِي التُّرَابِ، فِي حِيْنَ ضَاقَتْ صُدُوْرُ بَعْضِ العُلَمَاءِ؛ بَلْ وَصَلَ الحَالُ عِنْدَ بَعْضِهِم أنْ قَالَ: لا يَجُوْزُ الفَرَحُ والتَّشَفِي لِمَا حَصَلَ فِي بِلادِ أمْرِيكا الَّتِي كَانَتْ رَأسًا فِي كُلِّ حَرْبٍ ضِدَّ المُسْلِمِيْنَ!، عِلْمًا إنَّ الفَرَحَ بتَحْطِيْمِ وتَمْرِيْغِ أنْفِ إمْرِيكا كَانَ مَحَلَّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ البَشَرِيَّةِ (مُسْلِمِهِم وكَافِرِهِم) !
3ـ لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُلُوْبُ وصُفُوْفُ العَامَّةِ عَلَى اللَّعْنِ والدُّعَاءِ عَلَى أهْلِ الكُفْرِ؛ لاسِيَّمَا إمْرِيكا وحُلَفَائِها، فِي حِيْنَ اخْتَلَفَتْ فَتَاوَى العُلَمَاءِ فِيْها!