إذا هذه هي السكينة التي أنزلها الله تعالى على رسوله وعلى المؤمنين. أنزل السكينة عليه يوم الهجرة , وأنزل السكينة عليه يوم حنين , كما هو معروف من القصة والسورة. فأنزل الله تعالى السكينة على المؤمنين .. السكينة التي تجعلهم وهم يرون الموت الأحمر أمام عيونهم ويبصرون الرؤوس تتساقط وتنحدر في الأرض , وهذا الموقف لا يزعجهم ولا يخيفهم، في قلوبهم قوة الإيمان وشدة التوكل على الله العظيم و الثقة بالله سبحانه وتعالى.
تلك المرأة (مثلًا) التي في قصة الأخدود - وحديثه في صحيح مسلم - لما أقبلت ومعها صبيها لتلقي بنفسها وصبيها في النار , وهي ترى اللحم يحترق ويشوى بالنار , وتشم رائحة الشواء النفاذة في أنفها , وترى هذا اللحم الطري الغض كيف يتحول إلى فحم أسود محترق , ثم تقدم على ذلك , أقدمت بقوة إيمانها , أقبلت في السكينة التي جعلها الله تعالى في قلبها .. وهذا هو نفسه ما يواجهه الشهيد , وهو يقتل في سبيل الله. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم , أن الشهيد لا يجد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من ألم القرصة (على أسوأ الأحوال قرصة عقرب) .
فانظر أن الله تعالى طلب منك الخطوة الأولى , ووعدك بأن يكون هناك توفيق وتأييد منه , وأن تكون طمأنينته وسكينته سبحانه هي الثمن الذي ينزل في قلبك , وهذا موجود عند جميع المصلحين والمؤمنين عبر التاريخ.
أتذكر في هذه المناسبة كيف أن ابن القيم رحمه الله يصف شيخه الإمام ابن تيمية فيقول:"إنه كان رابط الجأش , نأتيه وقد اشتدت منا المخاوف واهتزت القلوب , فما إن نراه حتى يزول الخوف عن قلوبنا وسري عنا , فإذا تكلم بنى بنيان الإيمان واليقين والتوكل في قلوبنا".سبحان الله. رأينا كيف أن هناك أمورا بسيطة ويسيرة وتافهة تكبر عند بعض ضعاف القلوب حتى تصبح كالجبل العظيم , وكيف أن هناك أمورا كبيرة وعظيمة في نظر جماهير الناس تصغر عند أهل الإيمان واليقين حتى تصبح لا شيء!!.
وكما قيل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتى على قدر الكرام المكارم
وتكبر في عين الصغير صغارها ... وتسهل في عين العظيم العظائم
الإنسان العظيم تصغر في عينه الأمور الكبيرة , لأنه يتجاوزها.
فالمؤمن (مثلًا) الذي آثر سلوك درب الشهادة في سبيل الله , ماذا يشكل بالنسبة له كون أحد آذاه أو سبه أو سخر منه , وهدده أو توعده أو ضربه , أو ضيق عليه , أو أخر رتبته أو أبعده أو أقصاه ... إذا كان فعلا يريد الشهادة في سبيل الله , فما دون ذلك عنده كلها أمور سهلة يسيرة , ويتجاوزها.
المسلمون اليوم على وجه الخصوص قتلتهم الأوهام ودقت عظامهم، فليس عند المسلم قوة الشخصية , قوة الإيمان , قوة الثقة بالله , ثم قوة الثقة بنفسه , التأكد من سلامة خطواته , الاطمئنان إلى أنه منصور , الثقة بوعد الله عز وجل.
أرأيتم لو أن إنسانا يخاف من المرض , أليس هذا مرض بحد ذاته!؟.
بلى هو مرض , ربما ليس له دواء إلا دواء الإيمان بالله والتوكل عليه , لأنه ليس مرض عضوي يمكن أن يعالج , ووإنما هو مرض نفسي عبارة عن أوهام.