(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) وفي قراءة: (عباده) .
إنها أنفسٌ زكية أبيّة لا ترضى بأنصاف الحلول ولا بتجزئة الدين ولا بخلط الطيب بالخبيث، ولا تطيب لها الحياة والدين ينقص من أطرافه، بل ومن لُبّه، وكما كان أبو بكر رضي الله عنه يحمل هذا الحس النقي حينما قال يوم الردة: "أينقص الدين وأنا حي؟! " الله أكبر! هكذا فليكن أتباعهم سيرًا على منهاجهم، إذ كيف تطيب لهم الحياة والدينُ يخترمُ اخترامًا ويُحارب حربًا؟ ألا نخشى أن يعمنا الله بعقابٍ من عنده إن لم ننتصر له فنبوء بخسارة الدنيا والآخرة؟ ألم يُخوّف الله نبيه وخليلة وحبيبه لو ركن إلى الظالمين شيئًا قليلًا؟ كيف نأمن من عقاب مَنْ لا يحابي رسوله ونبيّه صلى الله عليه وسلم لو ركن إلى الكافرين شيئًا يسيرًا وحاشاه أن يفعل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) .
فكيف بنا نحن المذنبين المفرّطين لو ركنّا ركونًا كبيرًا وداهنّا في ذات الله مرتدي الزمان وطواغيت الأوطان باسم مصلحة الوحدة الوطنية الجاهلية والحفاظ على مكتسبات الدعوة زعموا!! فحسبنا الله ونعم الوكيل.
[7] تتمة للتعليق الماضي على هذه الجملة والتي فيها تأكيد وجوب قتال كل طائفة لها منعة امتنعت عن إقامة الدين كله لله قتالًا واجبًا - لا مستحبًا ولا مباحًا - على كل من خلا من الأعذار الشرعية المجيزة لقعوده عن القتال وفي هذا الجملة المقتبسة من قوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) الآية، إشارة إلى أن الفتنة الحقيقية بنص كلام الله تعالى هي جعل بعض الدين لله وبعضه لغير الله، فمتى ما كان هذا في قوم أو بلد فالفتنة قائمة يجب العمل على عقرها ووأدها وقتل رعاتها وحراسها، وفي هذا رد شرعي قاطع على أولئك المنكوسين فكريًا المنصهرين وطنيًا المنحرفين عقديًا الذين يقلبون الحقائق الشرعية والأصول العقدية حينما يردون على الحكيم جل وعلا أمره المحكم في هذه الآية فيشنعون على المقاتلين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله أشد من تشنيعهم على رعاة الفتنة ومشيعي الكفر ومنظري الردة، بل الأعجب أن تجدهم يتكلفون من الاعتذارات لهؤلاء والتماس المبرارت لخبثهم والتورع عن كشف سبيلهم ما لا يسلكون عشر معشاره إزاء جهاد الموحدين المقاتلين في سبيل الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ألا يعلم أولئك أن الفتنه أشد من القتل إذا كان القتل خطأً محضًا فكيف إذا كان قتلًا مشروعًا وواجبًا في سبيل الله تعالى يبتغى منه إطفاء فتنة الكفر وكف بأس الذين كفروا؟.
والتورع عن قتال من أمر الله بقتالهم خشية ترتّب فتنة يتوهم إمكان وقوعها عند اندلاع شرارة الجهاد تورعٌ ما كان يتحلى به إلا المنافقون الخُلّص في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال شيخ الإسلام تعليقًا على قوله تعالى: (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) : يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ