فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 471

ومتشابهها جملة ولاذوا بمتشابه العقول والآراء فجاءوا بالطامة الكبرى والفتنة العظمى وقى الله الأمةَ شرَّ فتنتهم.

ويُقال لهؤلاء: إن أهم مكتسبات الأمة على الإطلاق توحيدُ الله عز وجل بمعناه الشامل وإن عارض مصالح سلاطين السوء أئمةِ الضلالة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله: كيف نصنع؟ فقال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نُشِروا بالمناشير وحُمِلُوا على الخشب، موتٌ في طاعة الله خيرٌ من حياةٍ في معصية الله" رواه الطبراني.

فحقيقة المصلحةِ السعيُ في مرضاة الله وإن كلّفَ ذلك من الخسائر المادية ما كلف فكله مرادٌ لله موافقٌ لحكمته البالغة (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، وليس السعي للحفاظ على المصالح الدنيوية - في نظر المنهزمين - على حساب أحكام الله مصلحةً شرعية معتبرة، بل هي معصيةً تنذر بحلول عقابٍ عظيم، ألا ترى عتاب الله لجنده الأبرار إثر معركة بدر يوم أن عفو عن سبعين من صناديد الكفر مقابل عَرَضٍ دنيوي يفدون أنفسهم به فيأخذه المسلمون قوةً لهم على الجهاد والإعداد كما أشار بذلك أبو بكرٍ رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله على إثر ذلك آيات عتابٍ عظيمة سمى تعالى فيها تلك المصلحة التي لاحت لخير البشر بعد الأنبياء عليهم السلام أبي بكر: عرضًا دنيويًا لا تُعارض به حكمة الله المقترنة بعلمه تعالى بمصالح العباد في الدنيا والآخرة، فقال تعالى:(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ويبكي هذا العتابُ رسولنا صلى الله عليه وسلم وأبابكر، مع أنه لم يكن في مسألة الأسرى نص قبل ذلك حتى يكونوا مخالفين له، وإنما مصلحةٌ رأوها في نازلةٍ لا نص فيها ثم يعاتبهم الله هذا العتاب المؤثر؟ فكيف بحال القاعدين أصلًا عن الجهاد والإعداد؟ وقد فرغوا كثيرًا من جهودهم في سبيل تبرير المصالح الوطنية القومية المزعومة التي لا تمت حسب طرحهم للكتاب والسنة بصلةٍ أبدًا مع معارضتها الصريحة لكليات وقواعد الدين ونصوص الكتاب والسنة والتي استقر عليها فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إنَّ إرادة إقامة حكم الله كما أمر الله إرادةٌ شريفة لا يمكن أن تترعرع في نفوسٍ عششت فيها الهزيمة والهوان والذل والخوف ولذلك يُربّي الله عز وجل أنبياءه وأتباعهم على الاستعداد لتحمّل كل تبعات هذا الطموح الكبير واستصحاب توحيد الله بالخشية والرجاء والتوكل والصبر والتفويض وغير ذلك (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ 173 فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ 174 إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت