فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 471

رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقدم عدي المدينة - وكان رئيسًا في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم - فتحدث الناس بقدومه , فدخل على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي عنق عدي صليب من فضة , وهو يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه) قال: فقلت:

إنهم لم يعبدوهم. فقال:"بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال , وأحلوا لهم الحرام , فاتبعوهم: فذلك عبادتهم إياهم. . .".

وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا) أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام , وما حلله فهو الحلال , وما شرعه اتبع , وما حكم به نفذ.

وقال الألوسي في التفسير:

"الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم. بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم". .

ومن النص القرآني الواضح الدلالة ; ومن تفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو فصل الخطاب , ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين , تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار.

أن العبادة هي الاتباع في الشرائع بنص القرآن وتفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم. . ومع هذا فقد حكم اللّه - سبحانه - عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية في السياق - لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها. . فهذا وحده - دون الاعتقاد والشرائع - يكفي لاعتبار من يفعله مشركا بالله , الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين.

أن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله , بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه , وبين النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقادا وقدموا إليه الشعائر في العبادة فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركا بالله , الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين. .

أن الشرك باللّه يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير اللّه من عباده ; ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته ; ولا تقديم الشعائر التعبدية له. . كما هو واضح من الفقرة السابقة. .

ولكنا إنما نزيدها هنا بيانا

وهذه الحقائق - وإن كان المقصود الأول بها في السياق هو مواجهة الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومذاك من التردد والتهيب للمعركة مع الروم , وجلاء شبهة أنهم مؤمنون باللّه لأنهم أهل كتاب - هي كذلك حقائق مطلقة تفيدنا في تقرير"حقيقة الدين"عامة. .

إن دين الحق الذي لا يقبل اللّه من الناس كلهم دينًا غيره هو"الإسلام". . والإسلام لا يقوم إلا باتباع اللّه وحده في الشريعة - بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت