تقول بعض التفاسير - فهم يوم القيامة لا يكتمون الله حديثا. . إنما هو تعري الفطرة عن الشرك أمام الهول الرعيب ; وأنمحاء هذا الباطل الكاذب حتى لا أثر له في حسهم يومذاك. ثم تعجيب الله - سبحانه - من كذبهم الذي كذبوه على أنفسهم في الدنيا ; والذي لا ظل له في حسهم ولا في الواقع يوم القيامة!
.والله أعلم بمراده على كل حال. . إنما هو احتمال. .
إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم. وهو المنكر الأول الذي يجب حشد الإنكار كله له ; حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله , ولا رب لهم إلا الله , ولا حاكم لهم إلا الله , ولا مشرع لهم إلا الله. كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير الله. .
وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر , من عبادة أو خلق أو عمل. .
ثم ينتقل السياق القرآني إلى صفحة أخرى من صحائف الانحراف الذي عليه أهل الكتاب ; تتمثل في هذه المرة لا في القول والاعتقاد وحدهما ; ولكن كذلك في الواقع القائم على الاعتقاد الفاسد:
(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه والمسيح ابن مريم. وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا , لا إله إلا هو , سبحانه عما يشركون) . .
وفي هذه الآية استمرار في وجهة السياق في هذا المقطع من السورة. من إزالة الشبهة في أن هؤلاء أهل كتاب. .
فهم إذن على دين اللّه. . فهي تقرر أنهم لم يعودوا على دين اللّه , بشهادة واقعهم - بعد شهادة اعتقادهم - وأنهم أمروا بأن يعبدوا اللّه وحده , فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه - كما اتخذوا المسيح ابن مريم ربًا - وأن هذا منهم شرك باللّه. .
تعالى اللّه عن شركهم. . فهم إذن ليسوا مؤمنين باللّه اعتقادًا وتصورا ; كما أنهم لا يدينون دين الحق واقعًا وعملًا.
وقبل أن نقول: كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا , نحب أن نعرض الروايات الصحيحة التي تضمنت تفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - للآية. وهو فصل الخطاب.
الأحبار: جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها , وهو العالم من أهل الكتاب وكثر إطلاقه على علماء اليهود. . والرهبان: جمع راهب , وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة ; وهو عادة لا يتزوج , ولا يزاول الكسب , ولا يتكلف للمعاش.
وفي"الدر المنثور". . روى الترمذي [وحسنه] وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ في سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه) فقال:"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه. وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه".
وفي تفسير ابن كثير: وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام , وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم منّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها , فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام , وفي القدوم على