فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 471

توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى، وإنما الملتزم لشرائع الإسلام الشيزبرون، وهو الذي أظهر من شرائع الإسلام ما استفاض عند الناس، وأما هؤلاء فدخلوا فيه وما التزموا شرائعه [26] , وقتال هذا الضرب واجبٌ بإجماع المسلمين وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم [27] فإن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبدًا، وإذا كان الأكراد والأعراب وغيرهم من أهل البوادي الذين لا يلتزمون شريعة الإسلام يجب قتالهم وإن لم يتعد ضررهم إلى أهل الأمصار فكيف بهؤلاء؟ نعم يجب أن يسلك في قتاله المسلك الشرعي من دعائهم إلى التزام شرائع الإسلام إن لم تكن الدعوة إلى الشرائع قد بلغتهم، كما كان الكافر الحربي يدعى أولًا إلى الشهادتين إن لم تكن الدعوة قد بلغته [28] .

[1] هنا فرقٌ من الفروق عند أهل العلم في القتال والاستتابة والعذر وغيرها بين الطائفة الممتنعة والفرد المقدور عليه إذا تركوا أو ترك شريعةً من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فما كل ما يُتعامل به مع الفرد المقدور عليه يُتعامل به مع الطائفة الممتنعة.

[2] أي: ممتنعة عن الالتزام العملي، ولو ادّعت اعتقاد وجوب الواجب وحرمة المحرّم كحال تاركي التزام دفع الزكاة مع اعتقادهم وجوبها في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقاتلهم على مجرد ذلك، وقد بيّن شيخ الإسلام في موضع آخر أن الامتناع المُسوِّغ للقتال هو ما كان مستندًا إلى منعة أي قوة وشوكة ومقاتلة.

[3] قوله: (وغيرهم) فيه أن الأحكام الشرعية لا يُحابى في تطبيقها أحدٌ لنسبه أو جنسه أو وطنه أو علمه أو شعاره وانتمائه، فما يُكفّرُ به عجمُ التتار شرعًا يُكَفّرُ به العرب من آل سعود وغيرهم وإن كانوا من بلاد الحرمين، فالأرض لا تُقَدِّسُ أحدًا و الشرع واحدٌ لا يتغير بتغيّر الأزمان والأماكن والسياسات والأنظمة، ولو كان النسب والوطن يشفع لأحد لشفع لأبي لهب وأبي طالب عمَّي رسول الله صلى الله عليه وسلم واللذين كانا من أعرق العرب نسبًا.

[4] هنا قاعدةٌ عظيمة من قواعد الشرع الحنيف ومن مسائله الظاهرة التي أجمع على تقريرها وتطبيقها خير القرون وأفضل البشر بعد الأنبياء والرسل والذين جعل صلى الله عليه وسلم منهجهم هو منهج الطائفة المنصورة الناجية، ومن سلك غير منهجهم من طوائف الأمة ففي النار وإن كَثُرَ عددها وسوادها، ففي الحديث: "وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" وهي كما وصفها عليه السلام بقوله: "من كان على مثلِ ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، والصحابة الأبرار قد أجمعوا على استحلال دماء المرتدين بأصنافهم مع أن من بينهم من ينطق بالشهادتين ويقيم الصلاة ويصوم ويحج ويقوم بسائر تكاليف الدين غيرَ شريعةٍ واحدةٍ تنصّلوا من التزامها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لشبهةٍ عرضت لهم وتأويلٍ لاح في نظرهم فمنعوا دفع الزكاة متذرعين بفهمهم لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) الآية، حيث فهموا أن المُخَوّل بأخذ الزكاة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لا غيره، فلم يشفع لهم هذا التأول والاستدلال المنحرف، كما لم يشفع لهم ما يقومون به من سائر شرائع الدين الأخرى، حيث أنَّ (لا إله إلا الله) لها حقوقٌ لا تسقطُ بمجرد التلفظ بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت