وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزله مانعي الزكاة وبمنزله الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولهذا افترقت سيرة علي رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهراون، فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق وقتال الخوارج بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة فإن النصوص دلت فيها بما دلت، والصحابة والتابعون اختلفوا فيها.
على أن من الفقهاء الأئمة من يرى أن أهل البغي الذين يجب قتالهم هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ، لا الخارجون عن طاعته. وآخرون يجعلون القسمين بغاة، وبين البغاة والتتار فرق بين. فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم في وجوب قتالهم خلافًا [11] ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [12]
فإذا تقرّرت هذه القاعدة، فهؤلاء القوم المسئول عنهم عسكرهم مشتمل على قومٍ كفار من النصارى والمشركين، وعلى قومٍ منتسبين إلى الإسلام - وهم جمهور العسكر - ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم [13] ، ويعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم [14] وليس فيهم من يصلي إلا قليل جدًا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة [15] ، والمسلم عندهم أعظم من غيره [16] ، وللصالحين من المسلمين عندهم قدر [17] ، وعندهم من الإسلام بعضه وهم متفاوتون فيه [18] ، لكن الذي عليه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها، فإنهم أولًا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه [19] ، كل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافرًا عدوًا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم [20] ، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين [21] ، فلا يجاهدون الكفار، ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار، ولا ينهون أحد من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك [22] ، بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح أو المتطوع في المسلمين [23] ، والكافر عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين أو بمنزلة تارك التطوع [24] .
وكذلك أيضًا عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم، إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم، أي: لا يلتزمون تركها وإذا نهاهم عنها أطاعوه لكونه سلطانًا لا بمجرد الدين [25] ، وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات، لا من الصلاة ولا من الزكاة ولا من الحج ولا غير ذلك، ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله بل يحكمون بأوضاع لهم